تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
في آيات كثيرة أن ما خلقه من شيء آية تدل عليه وأن في السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب فليس في الوجود ما لا يدل عليه تعالى ولا يحكي شيئا من جماله وجلاله . فالأشياء من جهة أنواع خلقها وحسنها تدل على جماله الذي لا يتناهى وتحمده وتثني على حسنه الذي لا يفنى ، ومن جهة ما فيها من أنواع النقص والحاجة تدل على غناه المطلق وتسبح وتنزه ساحة القدس والكبرياء كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 1 » . فهؤلاء يسلكون في معرفة الأشياء من طريق هداهم إليه ربهم وعرفها لهم وهو أنها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله ، وليس لها من النفسية والأصالة والاستقلال إلّا أنها كمرائي تجلي بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي وبفقرها وحاجتها ما أحاط بها من الغنى المطلق ، وبذلتها واستكانتها ما فوقها من العزّة والكبرياء ، ولا يلبث الناظر إلى الكون بهذه النظرة دون أن تنجذب نفسه إلى ساحة العزّة والعظمة ويشغى قلبه من المحبة الإلهية ما ينسبه نفسه وكل شيء ، ويمحو رسم الأهواء والأميال النفسانية عن باطنه ، ويبدل فؤاده قلبا سليما ليس فيه إلّا اللّه عزّ اسمه ، قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
« 2 » . ولذلك يرى أهل هذا الطريق أن الطريقين الآخرين أعني طريق العبادة خوفا وطريق العبادة طمعا لا يخلوان من شرك فإن الذي يعبده تعالى خوفا من عذابه يتوسل به تعالى إلى دفع العذاب عن نفسه كما أن من يعبده طمعا في ثوابه يتوسل به تعالى إلى الفوز بالنعمة والكرامة ، ولو أمكنه الوصول إلى ما يبتغيه من غير أن يعبده لم يعبده ولا حام حول معرفته ، وعن الصادق عليه السّلام : « هل الدين إلّا الحب » وقوله عليه السّلام في حديث : « إني أعبده حبا له وهذا مقام مكنون لا يمسه إلّا المطهرون » الحديث ، وإنما كان أهل الحب مطهرين لتنزههم عن الأهواء النفسانية والألواث المادية فلا يتم الإخلاص في العبادة إلّا من طريق الحب .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 44 . ( 2 ) سورة البقرة : 165 .