من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم ، ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم ، ولم يقبلوا منهم « 1 » فلما جاؤوهم وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، قالوا لهم : أنتم بشر مثلنا لا نقبل منكم حتى تأتونا بشيء نعجز من أن نأتي بمثله ، فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه ، فجعل اللّه عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها « 2 » .
فمنهم : من جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار فغرق جميع من طغى وتمرد « 3 » .
هامش
- يشافه بعض رسله ، كما شافه موسى بن عمران في جبل الطور حيث خلق الكلام في شجرة الزيتون فتجاوب معه موسى بن عمران ، وكما شافه الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ليلة المعراج حيث خلق الكلام في حجب النور ، فتحاور معه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ومن الممكن أن يخلق اللّه كلاما في الفضاء أو في بقعة معينة كالكعبة ، بحيث يسمعه كل بلغته ويتناجى معه الناس مباشرة ، ولكن الأرواح العادية لا تتحمل مخاطبة اللّه قبل أن تتكامل ، وتبلغ المستوى الذي تبلغه يوم القيامة حيث يسمعون كلام اللّه ، على ما يظهر من بعض الروايات .
( 1 ) إن الناس العاديين لا يكتفون بالتوجيه الذهني المجرد ، وإلا لاكتفوا برسول العقل وإنما يحتاجون إلى قائد يسير أمامهم ، ويقول لهم : سيروا ورائي ، وإلى أسوة يعمل ويقول لهم : اعملوا مثلما أعمل فإذا كان قائدهم وأسوتهم منهم لم يجدوا بدا من اللحاق والتأسي به ، أو الاعتراف بتقصيرهم وانحرافهم ، وإذا كان قائدهم وأسوتهم من غيرهم - كالملائكة مثلا - لا يجدون حرجا من التخلف عنه وإعذار أنفسهم - حتى فيما ليسوا معذورين - بأن هذا ملك لا يشعر بما نشعر ولا يعاني مما نعاني ، وليس لنا اللحاق والتأسي به .
فلذلك بعث اللّه رسله إلى عامة الناس بشرا ، وبعث رسله إلى المتفوقين من الناس - وهم الأنبياء - ملائكة . لأن الأنبياء بلغوا مستوى يؤهلهم لتحديد قدراتهم ، وتمييز ما يقدرون حقا عما لا يقدرون حقا ، فهم يكتفون بالتوجيه الذهني المجرد من القائد والأسوة ، ويستطيعون القيام بدور القائد والأسوة .
( 2 ) إثباتا لعلاقتهم بالله عز وجل .
( 3 ) وهو نوح عليه السّلام .