هامش
- كان يعمل في جني العسل - وفيه يقول كميت الأسدي : وإن أبا حجل قتيل محجل .
ولما ارتفعت الشمس صباح يوم عاشوراء تقدم عمر بن سعد نحو معسكر الحسين ورمى بسهم وقال : اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى . ثم رمى الناس ، فلم يبق من أصحاب الحسين أحد إلا أصابه من سهامهم ، فقال الحسين لأصحابه : ( قوموا رحمكم اللّه إلى الموت الذي لا بد منه فإن هذه السهام رسل القوم إليكم ) . فحمل أصحابه حملة واحدة ، واقتتلوا ساعة ، فما انجلت الغبرة إلا عن خمسين صريعا ، فأخذ أصحاب الحسين - بعد أن قل عددهم - يبرز الرجل منهم بعد الرجل فأكثروا القتلى في أهل الكوفة فصاح عمرو بن الحجاج الزبيدي بأصحابه : أتدرون من تقاتلون ؟
تقاتلون فرسان المصر ، وأهل البصائر ، وقوما مستميتين ، لا يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم ، واللّه لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم . فقال عمر بن سعد :
صدقت ، الرأي ما رأيت ، أرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم ولو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم .
ثم حمل عمرو بن الحجاج ( وكان قائد ميمنة عمر بن سعد ) على ميمنة الحسين فثبتوا له وجثوا على الركب وأشرعوا الرماح فلم تقدم الخيل ، فلما ذهبت الخيل لترجع رشقهم أصحاب الحسين بالنبل فصرعوا رجالا وجرحوا آخرين . ثم إن عبد اللّه بن حوزة التميمي صاح : يا حسين ! يا حسين ! فقال الحسين : وما تريد ؟
قال التميمي : أبشر بالنار .
فقال الحسين : كلا إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع .
ثم قال : من هذا ؟
قيل : ابن حوزة .
فقال : اللهم حزه إلى النار .
فنفر الفرس بابن حوزة وبقيت رجله اليسرى معلقة في الركاب ، فأسرع مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى بالسيف فقطعها ، وجعل الفرس يضرب به كل حجر ومدر حتى هلك .
ثم حمل عمرو بن الحجاج الزبيدي حملة ثانية من نحو الفرات ، فاقتتلوا ساعة وفيها قاتل مسلم بن عوسجة وهو يرتجز :إن تسألوا عني فإني ذو لبد * من فرع قوم من ذرى بني أسد
فمن بغانا حائد عن الرشد * وكافر بدين جبار صمدفشد عليه مسلم بن عبد اللّه الضبابي وعبد اللّه بن خشكارة البجلي ، وثارت لشدة الجلاد غبرة شديدة وما انجلت الغبرة إلا ومسلم صريع وبه رمق ، فمشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين : رحمك اللّه يا مسلم ،فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًاسورة الأحزاب ، الآية : 23 .