ومنهم : من علّمه منطق الطير ، وأوتي من كل شيء « 1 » .
ثم بعث محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رحمة للعالمين وتمم به نعمته ، وختم به أنبياءه ، وأرسله إلى الناس كافة ، وأظهر من صدقه ما أظهر ، وبيّن من آياته وعلاماته ما بيّن ، ثم قبضه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حميدا فقيدا سعيدا ، وجعل الأمر من بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السّلام ، ثم إلى الأوصياء من ولده واحدا بعد واحد ، أحيى بهم دينه ، وأتم بهم نوره ، « 2 » وجعل بينهم وبين أخوتهم وبني عمهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقا ( فرقانا ) بيّنا ، تعرف به الحجة من المحجوج ، والإمام من المأموم بأن : عصمهم من الذنوب ، وبرّأهم من العيوب ، وطهّرهم من الدنس ، ونزّههم من اللبس ، وجعلهم خزّان علمه ، ومستودع حكمته ،
هامش
( 1 ) يقصد بالأول إبراهيم الخليل . وبالثاني موسى بن عمران . وبالثالث عيسى ابن مريم .
وبالرابع سليمان بن داود .
( 2 ) يحاول الإمام المهدي عليه السّلام من خلال هذه المقدمة إيضاح إحدى الحقائق الكبرى التي قل من يحاول تفهمها واستيعابها ، وهي أن اختيار اللّه تعالى لأنبيائه وأوصياؤهم لم تكن عملية ارتجالية أو عفوية تعتمد على مجرد طيبة قلب وطهارة مسلك ، فإن اللّه لا يختار للقيادة التشريعية - التي هي أهم من القيادة التكوينية - أفرادا لأنهم طيبون فحسب ، وإنما يختار لها أصلح خلقه من جميع الجهات الخلقية والنفسية .
وتتم عملية الاختيار هذه بمقاييس السماء التي لا تخطئ ولا تحابي . كما لا تخطئ ولا تحابي في سائر العمليات الكونية .
وقد أوضح النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هذه الحقيقة في قولته الشهيرة للإمام علي عليه السّلام : ( يا علي ! إن اللّه اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها . . . ) .
وهذا يعني أن اللّه يختار خير أهل كل زمان لرسالته إليهم ، واختار خير الخلق - على الإطلاق - لرسالته الكبرى إليهم . حتى لو لم تكن الرسالات لكان الأنبياء ثم أوصياؤهم أعلى القمم البشرية ، ولكان الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعلى القمم البشرية على الإطلاق .
فقضية الإمامة ليست قضية منصب يمكن أن يفوز به من هو أشد سعيا إليه ، وإنما هي قضية تفوق في المواهب والمؤهلات التي يتم تقييمها بمعادلات السماء بعيدا عن أجواء المساعي والتزاحمات التي يمكن أن تؤثر على حركة المناصب في الأرض .