الأطفال والبكاء
اعرف يا مفضّل ما للأطفال في البكاء من المنفعة واعلم أن في أدمغة الأطفال رطوبة ، إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة وعللا عظيمة ، من ذهاب البصر وغيره ، والبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم فيعقبهم ذلك الصحّة في أبدانهم والسلامة في أبصارهم ، أفليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا يعرفان ذلك فهما دائبان « 1 » ليسكتانه ويتوخّيان « 2 » في الأمور مرضاته لئلا يبكي ، وهما لا يعلمان أن البكاء أصلح له وأجمل عاقبة .
فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشيء أنه لا منفعة فيه ، من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه ، فإن كل ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون وكثيرا ما يقصر عنه على المخلوقين محيط به علم الخالق جلّ قدسه وعلت كلمته .
الأطفال وسيلان الفم
فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من الريق ، ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة ، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة ، فأخرجته إلى حدّ البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الأمراض المتلفة كالفالج واللقوة وما أشبههما ، فجعل اللّه تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم ، لما لهم في ذلك من الصحّة في
هامش
( 1 ) الدؤب : الجد والتعب .
( 2 ) التوخّي : التحرّي والقصد .