فافتتاح تلك الجامعة العملاقة وتربية تلك الكوادر النادرة في الدنيا لم يكن ليقوم بهما أحد إلّا الإمام الصّادق عليه السّلام وقد تجمّعت لديه التلاميذ من كل حدب وصوب ، فأرسلت الكوفة والبصرة وأواسط الحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها . . ومن كل قبيلة من بني أسد ومن مخارق وطيّ وسليم وغطفان وغفار والأزد وخزاعة وخثعم ومخزوم ومن قريش وغيرهم ، ورحل جمهور من الأحرار وأبناء الموالي من أعيان هذه الأمّة من العرب وفارس .
فقد ذكر أصحاب الرجال والمحدثين أن تلاميذ الإمام الصّادق عليه السّلام بلغوا أربعة آلاف تلميذ ومنهم من زاد على ذلك وقال إنهم كانوا عشرين ألفا بل أكثر ، وأحدهم كان يجلس ويحدث في مسجد الكوفة قائلا : إنني شهدت تسعمائة شيخ كل يقول : حدّثني جعفر بن محمد عليه السّلام . .
فتعليم كل هؤلاء النخبة وتشجيعهم على تسجيل وكتابة العلم الصحيح ، والسّنة النبويّة الشريفة وتفسير القرآن الكريم ، وبثّهم في الأمة ، كان درعا واقيا للأمة وحصنا حصينا يقيها هجمات الزنادقة والملاحدة والكفار وأصحاب السياسات والأهواء الباطلة على مرّ الأيام والليالي ، وأنّى لقائد سياسي أن يتأتّى له ذلك مهما بلغ من الحنكة والحكمة والعلم ، إلّا لمثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأهل بيته الطاهرين عليهم السّلام ؟
فقد نهض الإمام الصّادق عليه السّلام لمقارعة أهل الباطل ، وباحث الفلاسفة والدهريين ، وأهل الكلام والجدليين الذين تصدّوا لإفساد معتقدات الناس ، فأبطل بنور حكمته مقالاتهم الفاسدة وسفسطتهم الفارغة « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ج 1 ص 361 .