قيل لهم : الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه :
فأولها : أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود ؟
والثاني : أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره ؟
والثالث : أن يعرف كيف هو وما صفته ؟
والرابع : أن يعلم لماذا هو ولأي علّة ؟ فليس من هذه الوجوه شيء يمكن للمخلوق أن يعرفه من الخالق حقّ معرفته ، غير أنّه موجود فقط .
فإذا قلنا : وكيف وما هو ؟ فممتنع علم كنهه ، وكمال المعرفة به ، وأما لماذا هو ؟ فساقط في صفة الخالق ، لأنه جلّ ثناؤه علّة كل شيء ، وليس شيء بعلّة له ، ثم ليس علم الإنسان بأنه موجود ، يوجب له أن يعلم ما هو وكيف هو ، كما أن علمه بوجود النفس لا يوجب أن يعلم ما هي وكيف هي ؟ وكذلك الأمور الروحانية اللطيفة .
الجلي الخفي
فإن قالوا : فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا ، حتى كأنه غير معلوم ؟
قيل لهم : هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به ، وهو من جهة أخرى أقرب من كل قريب إذا استدلّ عليه بالدلائل الشافية ، فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد وهو من جهة كالغامض لا يدركه أحد ، وكذلك العقل أيضا ظاهر بشواهد ومستور بذاته .
مع أصحاب الطبائع
فأما ( أصحاب الطبائع ) فقالوا : إن الطبيعة لا تفعل شيئا لغير معنى ولا عمّا فيه تمام الشيء في طبيعته ، وزعموا أن الحكمة تشهد بذلك ،