الأرض لتنزع منها الغذاء فتؤدّيه إلى الأغصان وما عليها من الورق والثمر ، فصارت الأرض كالأم المربّية لها ، وصارت أصولها التي هي كالأفواه ملتقمة للأرض لتنزع منها الغذاء ، كما ترضع أصناف الحيوان أمّاتها .
ألم ترّ إلى عمد الفساطيط والخيم كيف تمد بالأطناب من كل جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل ، فهكذا تجد النبات كلّه له عروق منتشرة في الأرض ممتدّة إلى كل جانب لتمسكه وتقيمه ، ولولا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال والدوح العظام في الريح العاصف ؟
فانظر إلى حكمة الخالق كيف سبقت حكمة الصناعة فصارت الحيلة التي تستعملها الصناع في ثبات الفساطيط والخيم ، متقدّمة في خلق الشجر ، لأن خلق الشجر قبل صنعة الفساطيط والخيم . . . ألا ترى عمدها وعيدانها من الشجر ، فالصناعة مأخوذة من الخلقة .
ورق الشجرة وحكمته
تأمّل يا مفضّل خلق الورق فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع ، فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها ، ومنها دقاق تتخلّل تلك الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا معجما ، لو كان ممّا يصنع بالأيدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل ، ولاحتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام ، فصار يأتي منه في أيام قلائل من الربيع ما يملأ الجبال والسهل وبقاع الأرض كلّها بلا حركة ولا كلام ، إلا بالإرادة النافذة في كل شيء والأمر المطاع ، واعرف مع ذلك العلّة في تلك العروق الدقاق ، فإنّها جعلت تتخلل الورقة بأسرها ، لتسقيها وتوصل