الطيب والعقاقير ، ثم هو بعد مركب للناس ، ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة ، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق ، ومن العراق إلى الصين ، فإن هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلّا على الظهر لبارت وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها ، لأن أجر حملها يجاوز أثمانها ، فلا يتعرّض أحد لحملها وكان يجتمع في ذلك أمران : أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها ، والآخر انقطاع معاش من يحملها ويتعيّش بفضلها .
انتشار النسيم
وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار الذي يتحيّر فيه ، ويعجز عمّا يحول إلى السحاب والضباب أولا أولا ، فقد تقدّم من صفته ما فيه كفاية .
اختزان النار
والنار أيضا كذلك ، فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه ، ولما لم يكن بدّ من ظهورها في الأحايين ، لغنائها في كثير من المصالح ، جعلت كالمخزونة في الأجسام ، فتلتمس عند الحاجة إليها ، وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبو فلا هي تمسك بالمادة والحطب ، فتعظم المؤونة في ذلك ، ولا هي تظهر مبثوثة ، فتحرق كل ما هي فيه ، بل هي على تهيئة وتقدير ، اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها والسلامة من ضررها .
ثم فيها خلّة أخرى وهي أنها ممّا خصّ بها الإنسان دون جميع الحيوان لما له فيها من المصلحة ، فإنه لو فقد النار لعظم ما يدخل عليه