بيض مجتمع ولا وكر موطى ، بل تنبعث وتنتفخ وتقوى وتمتنع من الطعم ، حتى يجمع لها البيض ، فتحضنه وتفرخ ، فلم كان ذلك منها إلّا لإقامة النسل ؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية لها ولا تفكير ، لولا أنها مجبولة على ذلك ؟
من أسرار البيضة
إعتبر بخلق البيضة ، وما فيها من المح « 1 » والأصفر الخاثر « 2 » والماء الأبيض الرقيق ، فبعضه ينشو منه الفرخ ، وبعضه ليتغذّى به ، إلى أن تنقاب عنه البيضة ، وما في ذلك من التدبير ، فإنه لو كان نشوء الفرخ في تلك القشرة المستحفظة التي لا مساغ لشيء إليها ، جعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها ، كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل إلى من فيه ، فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه .
حوصلة الطائر
فكّر يا مفضّل في حوصلة الطائر ، وما قدّر له ، فإن مسلك الطعم إلى القانصة « 3 » ضيق ، لا ينفذ فيه الطعام إلّا قليلا قليلا ، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية ، حتى تصل الأولى إلى القانصة ، لطال عليه ، ومتى كان يستوفي طعمه ؟ فإنما يختلسه اختلاسا ، لشدّة الحذر ، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة « 4 » المعلّقة أمامه ، ليوعى فيها ما أدرك من الطعم
هامش
( 1 ) المح : بالضم ، صفر البيض ، وفي بعض النسخ الخاء المعجّمة أي مخّ .
( 2 ) خثر اللبن : ثخن واشتدّ فهو خاثر .
( 3 ) القانصة : للطير كالمعدة للإنسان ، جمعها قوانص .
( 4 ) المخلاة : ما يجعل فيه العلف ويعلّق في عنق الدابّة ، والجمع مخال .