أبناء الآخرة « 1 »
إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة ، ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا ، والتراب فراشا ، والماء طيبا ، وقرضوا من الدنيا تقريضا ، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب .
ألا إن اللّه عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين ، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين ، شرورهم مأمونة ، وقلوبهم محزونة ، أنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياما قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة ، أما الليل فصافون أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، وهم يجأرون « 2 » إلى ربهم ، يسعون في فكاك رقابهم .
وأما النهار فحكماء علماء ، بررة أتقياء ، كأنهم القداح قد براهم الخوف من العبادة ، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى ، وما بالقوم من مرض ، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها .
بين الدنيا والآخرة « 3 »
من لم يتعز بعزاء اللّه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ، واللّه ما
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 131 - 132 باب ذم الدنيا والزهد فيها ح 15 : محمد بن يحيى ، عن أحمد ابن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن عمر بن أبان ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال :
قال علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما : . . .
( 2 ) أي : يتضرعون .
( 3 ) الخصال : ج 1 ص 64 - 65 الدنيا والآخرة ككفتي الميزان ح 95 : حدثنا أبي قال : حدثنا سعد بن عبد اللّه ، عن القاسم بن محمد الأصبهاني ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري قال : سمعت علي بن الحسين عليه السّلام يقول : . . .