فقال له : من بعض العرب .
فقال له : ما حالك وممّ بكاؤك واستغاثتك ؟
فقال : ما حال من أخذ بالعقوق فهو في ضيق ارتهنه المصاب وغمره الاكتئاب ، فإن تاب فدعاؤه لا يستجاب .
فقال له عليّ عليه السّلام : ولم ذاك ؟
فقال : إنّي كنت ملتهيا في العرب باللّعب والطرب ، أديم العصيان في رجب وشعبان ، وما أراقب الرحمن وكان لي والد شفيق رفيق يحذّرني مصارع الحدثان ويخوّفني العقاب بالنيران ، ويقول : كم ضجّ منك النهار والظلام واللّيالي والأيّام والشهور والأعوام والملائكة الكرام ، وكان إذا ألحّ عليّ بالوعظ زجرته وانتهرته ووثبت عليه وضربته ، فعمدت يوما إلى شيء من الورق وكانت في الخباء « 1 » ، فذهبت لآخذها وأصرفها فيما كنت عليه فمانعني عن أخذها ، فأوجعته ضربا ولوّيت يده « 2 » وأخذتها ومضيت ، فأومأ بيده إلى ركبته يريد النهوض من مكانه ذلك فلم يطق يحرّكها من شدّة الوجع والألم فأنشأ يقول :
جرت رحم بيني وبين منازل * سواء كما يستنزل القطر طالبه
وربّيت حتّى صار جلدا شمردلا * إذا قام ساوى غارب العجل غاربه « 3 »
وقد كنت أوتيه من الزاد في الصبا * إذا جاع منه صفوه وأطائبه
هامش
( 1 ) الورق : الدراهم المضروبة ، ومنه قوله تعالى في سورة الكهففَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ .والخباء - بكسر الخاء - : ما يعمل من وبر أو صوف أو شعر للسكن .
( 2 ) لوى الحبل ونحوه : فتله وثناه - ولوّى عليه الأمر : عوّصه . يقال : لوى أعناق الرجال أي غلبهم .
( 3 ) الشمردل : الطويل والفتيّ السريع من النوق . قاله في أقرب الموارد . والغارب : الكاهل أو ما بين الظهر أو السنام والعنق . والعجل : ولد البقرة . وفي المصدر : الفحل .