خرجت وصرخت ، فكأنّها من فم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تنطق ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ النّاس بالبكاء والنحيب ، وجاء النّاس من كلّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء ، وخيّل إلى النسوان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد قام من قبره ، وصارت النّاس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي عليها السّلام تنادي وتندب أباها :
وا أبتاه ، واصفيّاه ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، واربيع الأرامل واليتامى ، من للقبلة والمصلّى ومن لا بنتك الوالهة الثكلى ؟ .
ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها ، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فلمّا نظرت إلى الحجرة ، وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها .
فتبادرت النسوان إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى أفاقت ، فلمّا أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول : رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي ، يا أبتاه بقيت وآلهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغّص عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي ، ولا رادّا لدمعتي ولا معينا لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرائيل ، ومحلّ ميكائيل ، انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك .
ثمّ نادت : يا أبتاه والبّاه ، ثمّ قالت :
موسوعة الكلمة — صفحة 219
مساهمون: السيد حسن الحسيني الشيرازي
ص٢١٩