المرحلة الثالثة : مع أبي بكر
وأما الثالثة يا أخا اليهود ، فإنّ القائم بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يلقاني معتذرا في كل أيّامه ، ويلزم غيره ما ارتكبه من أخذ حقّي ، ونقض بيعتي ، ويسألني تحليله ، فكنت أقول : تنقضي أيّامه ثمّ يرجع إليّ حقّي الذي جعله اللّه لي عفوا هيّنا ، من غير أن أحدث في الإسلام - مع حدثه وقرب عهده بالجاهلية - حدثا في طلب حقّي بمنازعة ، لعل قائلا يقول فيها :
نعم ، وقائلا يقول : لا ، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل ، وجماعة من خواص أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعرفهم بالنصيحة لله ولرسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولكتابه ودينه الإسلام ، يأتونني عودا وبدءا ، وعلانية وسرّا ، فيدعونني إلى أخذ حقّي ، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ، ليؤدّوا إليّ بذلك حقّ بيعتي في أعناقهم ، فأقول : رويدا وصبرا قليلا ، لعلّ اللّه أن يأتيني بذلك عفوا بلا منازعة ولا إراقة الدماء ، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل ، فقال كل قوم : منّا أمير ، وما طمع القائلون في ذلك إلّا ليتناول الأمر غيري .
أبو بكر عندما نفدت أيامه
فلمّا دنت وفاة القائم وانقضت أيّامه ، صيّر الأمر من بعده لصاحبه ، وكانت هذه أخت أختها ، ومحلّها منّي مثل محلّها ، وأخذها منّي ما جعل اللّه لي مثل أخذها ، واجتمع إليّ نفر من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ممن مضى ( رحمه اللّه ) وممن بقي أخرّه اللّه ممّن اجتمع ، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا لي في أختها ، فلم يعد قولي الثاني قولي الأول ، صبرا واحتسابا ، ويقينا وإشفاقا من أن تفنى عصبة تألّفها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم باللين مرّة