أولا ، فكتب إليهم كتابا يحذّرهم وينذرهم عذاب ربّهم ، ويعدهم الصفح فيهم ، ويمنيّهم مغفرة ربّهم ، ونسخ لهم في آخره سورة براءة ليتلو عليهم ، ثمّ عرض على جميع أصحابه المضي إليهم بالكتاب ، وكلّهم يرى فيه التثاقل ، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا ليوجّهه به ، فأتاه جبرئيل فقال :
« يا محمد ، إنّه لا يؤدّي عنك إلّا رجل منك » ، فأنبأني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك ، ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكّة ، فأتيت مكّة وأهلها من قد عرفتم ، ليس منهم أحد إلّا ولو قدر على أن يضع منّي على كل جبل إربا لفعل ، ولو ببذل ماله ونفسه وأهله وولده ، فبلّغتهم رسالة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقرأت عليهم كتابه ، فكلّ تلقاني بالتهدد والوعيد ، ويبدي البغضاء ، ويظهر الشحناء ، من رجالهم ونسائهم ، وكان منّي في ذلك ما قد رأيتم .
ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟
قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .
إقرار الأصحاب له عليه السّلام بهذه العقبات
قال : يا أخا اليهود ، هذه المواطن التي امتحنني فيهنّ ربيّ مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فوجدني فيهنّ كلّها بمنّه مطيعا ليس لأحد فيها مثل الذي لي ، ولو وصفت ذلك لا تسع لي فيه القول ، ولكن اللّه نهى عن التزكية .
فقالوا : صدقت يا أمير المؤمنين ، فو اللّه لقد أعطاك اللّه الفضيلة بالقرابة من نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأسعدك بأن جعلك أخاه ، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى ، وفضّلك بالمواقف التي باشرتها ، والأهوال التي ركبتها ، وذخرك الذي ذكرت ، وأكثر منه مما لم تذكره ، ممّا ليس لأحد من المسلمين مثله ، يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا ، ومن شهدك منّا بعده ،