تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 864

مساهمون:

ص٨٦٤
بل إنّ بعض واجباتنا الّتي نالت تحديدا عدديا معينا - لم تنله إلّا من بعيد ، وفي خطوط عريضة ، وبهذا وضعت بين حدين متباعدين ، كيما تتجنب الطّرفين المتناقضين فحسب ، حين نمارس نشاطنا : أي تتجنب السّقوط أسفل مما تتطلب الفضيلة ، أو التّبعثر دون جدوى ، ومن غير حدود . وبين هذين الطّرفين تدعى الحرية الفردية إلى أن تمارس ذاتها في البحث عن درجات ، تتزايد رفعة ، ولكنها دائما متوافقة مع المقتضيات المختلفة للحياة الأخلاقية . هذه الطّريقة الّتي يقدم القرآن لنا بها قاعدة الواجب ليست ميزتها فقط أن تخفف إصر التّكليف ، وأن تحمي قيمة الشّخصية الإنسانية ، بدلا من أن تحولها إلى مجرد آلة . وليست ميزتها فقط أنّها قد أتاحت إشباعا عادلا ، ومعقولا لاتجاهين متعارضين في الإرادة الفردية : أعني حاجتنا المزدوجة إلى المطابقة ، والمبادرة - ولكنها ذات أهمية عظمى في المستوى الاجتماعي ، فبفضلها استطاع القرآن - كما قلنا - أن يبدع إطارا متجانسا بقدر يكفي لتكوين هذا الوسط الأخلاقي ، المشترك بين جميع أعضاء الجماعة ، ولكنه أيضا متنوع بقدر يكفي لتدخل في نطاقه درجات كثيرة للقيمة . وأهم العوامل في هذا النّجاح يتمثل في أنّ جميع القواعد ، أو أغلبها ، تشتمل على أمرين : « أداء واجب » ، و « تحقيق خير » ، أو بالأحرى : أداء « واجب جوهري » ، « وواجب كمال » . ويبدو القرآن في النّقطة الأولى متشددا ، لا يقبل أية مساومة ، ولكنه في الثّانية تتحول صرامة الأمر إلى حث ، وتشجيع .