تردها ثانية إلى نقطة توازنها . ونخص بالذكر الطّريقة الّتي استطاعت بها أن توفق بين « حرية » الفرد و « تنظيم » إرادته ، لقد حققت هذا التّوفيق بفضل طابعها المتوسط بين المرونة ، والصّرامة ، والّذي بفضله تتكيف تبعا لأكثر ظروف الحياة اختلافا ، دون أن تتراخى مع ذلك أمام إغراء شهواتنا ، وتقلب إحساسنا .
والواقع أنّ هذه الشّريعة تميز تمييزا واضحا بين الاتجاهات شديدة العمق للنفس الإنسانية ، وحاجاتها العابرة ، المشروعة أو غير المشروعة ؛ كما أنّها تفرق بين ما ينبغي أن يترك دون مساس ، لأنّه فريضة ظرف شامل لا يتغير ، وبين ما يترك لحكم كلّ منا ، لأنّه يتغير بتغير الملابسات ، والظّروف ، وبين ما ينبغي إصلاحه ، أو إسقاطه ، باعتباره إضافة زائفة ، صدرت عن طبيعة غريبة شريرة .
ولذلك أثبت القرآن مراعاة لهذه الأحوال المبدأ الثّلاثي المتمثل في :
« الفرض » ، و « المباح » ، و « المحرم » .
فذلكم هو العامل الأوّل الّذي جعل من هذا المقياس الدّقيق للحكمة القرآنية رابطة بين الحرية ، والتّنظيم .
وإليك عوامل أخرى .
فإذا ثبت مبدأ كلّ قاعدة ، وجوهرها على هذا النّحو ، وجب أن يظلا ثابتين إلى الأبد ، ومقدسين على وجه الشّمول . بيد أنّه لما لم تكن صيغة بعض هذه المبادئ ، أو الجواهر قد حددت تحديدا ماديا ، ولما كان تعريفها ، وشكل تطبيقها قد تركا صراحة للذوق السّليم ، فإنّ القضية تصبح قضية الحكم ، والتّذوق الشّخصي .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 863
مساهمون: محمد عبد الله دراز
ص٨٦٣