تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 839

مساهمون:

ص٨٣٩
وهنا ندرك الصّفة النّسبية للجهد المحمود ، فليست القوة المادية ، وحدها هي الّتي لا يتساوى نصيب النّاس فيها ، بل إنّ الطّاقة الأخلاقية كذلك ، فما بعد إفراطا ، وتعصبا بالنسبة إلى بعض النّاس ، ليس كذلك بالضرورة بالنسبة إلى آخرين . . وإذا دعم الحبّ ، والخوف ، والأمل النّفس فإنّ سائر الآلام ، والمشقات الّتي يتعرض لها المرء لا يحس بها ، أو تكون على الأقل محتملة ، وهي في كلّ حال أقل إضرارا . إنّها تجلب السّرور إلى القلب ، والسّعادة إلى النّفس المخلصة ، ولذلك أبدى جمهور من المسلمين الأوائل هذه الرّوح في التّضحية الكريمة ، ولم ينكر أحد مآثرهم . وإنّ القرآن ليشير إلى العمل المستبسل الّذي أبداه « صهيب » في قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ
« 1 » ، وذلك أنّه حين كان المشركون يقتفون آثار النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وصحابته الّذين أرادوا الهجرة معه - أقبل صهيب مهاجرا نحو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاتبعه نفر من قريش من المشركين ، فنزل عن راحلته ، ونثر ما في كنانته ، وأخذ قوسه ، ثمّ قال : يا معشر قريش ، لقد علمتم أنّي من أرماكم رجلا ، وأيم اللّه لا تصلون إليّ حتّى أرمي بما في كنانتي ، ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، ثمّ افعلوا ما شئتم . قالوا : دلنا على بيتك ، ومالك بمكّة ونخلي عنك ، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه ، ففعل . ومن الواضح أنّ الواجب لم يكن ليقتضي هذا الّذي فعل ، ولكنها التّضحية الّتي سجلها القرآن في محكم آياته ، وهي تضحية مدحها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين قدم عليه صهيب بالمدينة وقال : « أبا يحيى ، ربح البيع ، ربح البيع » « 2 » .
هامش
( 1 ) البقرة : 207 . ( 2 ) انظر ، أسباب النّزول للواحدي : 39 ، طبعة الحلبي ، وورد أيضا في تفسير الدّر المنثور للسيوطي : -