تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦
ونجيب عن ذلك : بأنّه يجب أن نعلم أنّ الأخلاق العقلية ، كأخلاق قدماء الإغريق ، والرّواقيين منهم بخاصة ، ترى في نيّة كهذه أنّها ليست حسنة ، فحسب ، بل هي أفضل ما يمكن تحقيقه ، وإذا كان جوهر النّفس هو معرفة الحقيقة ، وملازمة الفضيلة ، وإذا كان أكمل الأعمال في كلّ شيء - من ناحية أخرى - هو العمل الّذي يهدف إلى تحقيق كمال جوهره - فيجب أن نستنتج من ذلك أنّ المبدأ الأخير في الأخلاقية لا يمكن أن يكون غير البحث عن هذا الكمال . ويجب أن نؤكد فضلا عن ذلك أنّ من المستحيل من وجهة نظر الأخلاق القرآنية أن نقابل بين هذين النّوعين من الخير الشّخصي ؛ لأنّه على حين يقدم القرآن لنا مسألة البحث عن الرّفاهية المادية على أنّها مجرد أمر مباح ، فإنّه لا يقتصر على أن يجعل من طهارة القلب شرطا للسلام ، والسّعادة الأبدية فحسب ، ولكن عنوانا ذا قيمة للاكتساب ، والاجتهاد الّذي لا يفتأ يستثير جهدنا إليه ، واقرأ إن شئت قوله تعالى تعبيرا عن المعنى الأوّل :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ
( الشّعراء : 88 )
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
« 1 » ، وقوله :
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
« 2 » - ثمّ اقرأ عن المعنى الثّاني قوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
« 3 » ، وقوله :
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
هامش
( 1 ) الشّعراء : 89 . ( 2 ) سورة ق : 33 . ( 3 ) التّوبة : 103 .