تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 705

مساهمون:

ص٧٠٥
حرج علينا أن نمتثل لهذا الأمر بموجب الرّحمة لذاتها ، حين يبيح لنا الشّرع ذلك . وكلّ ما يمكن أن يؤخذ على هذا السّعي إلى غايات ذاتية مشروعة هو أنّه ليس فيه من الأخلاقية سوى طابعها السّلبي . ولكن ، قد يقال لنا : إنّك قسمت غايات الإرادة إلى مجموعتين : موضوعية ، وذاتية ، وبعد أن قصرت القيمة الأخلاقية على الإرادة الّتي يكون هدفها غاية موضوعية ، قسمت الغايات الذاتية إلى مشروعة ، وغير مشروعة ، ومن ثمّ ينتج أنّ أفضل ما ترتضيه لنيّة ذاتية هو أن تكون بريئة ، أو جائزة . أفلا توجد إذن غايات تتصف بكونها ذاتية ، وهي إلى جانب ذلك ذات قيمة باعتبارها ذاتية ؟ . وأ لا يقلل هذا دائما من قيمة كلّ منفعة شخصية ، فينحط بها إلى أدنى درجات الأخلاقية ، إن لم يجعلها موضع الاتهام العقيم ، وبحيث لا تستطيع على كلّ حال أن تنشئ دافعا صالحا ؟ . أمّا فيما يتعلق بالنفع الحسي ، الّذي لا يتصل بوصفه كذلك بالأخلاقية إلّا من بعيد فإنّي أوافق على أن يوصم بهذا النّقص ، ولكن هنالك أيضا نفعي الأخلاقيّ ، بالمعنى الصّحيح ، فهل ترى أن تحمّله قدر الخير الحسي نفسه ، فتقصيه أيضا من مجال المبادئ المحددة للإرادة على وجه مقبول ؟ . . وإذا كنت أهتدي ، حين أقبل على أعمالي الفاضلة ، برغبتي في أن أكتسب الصّفات الرّاسخة لنفسي : طهارة قلبي ، ونور عقلي ، وقوة إرادتي - فهل يمكن القول دون تعارض في الحدود بأنّ الإرادة الّتي تسعى إلى خيرها الأخلاقي لا تتحرك بنيّة أخلاقية حسنة ؟ .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 705 | محمد عبد الله دراز