تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 702

مساهمون:

ص٧٠٢
العادية ، ولا يلجئون من بعد إلى هذا التّكلف . وإذا كنّا أحيانا نراهم في أثناء مرحلتهم النّهائية يمتنعون عن عمل مباح فلا ينبغي أن نرى بالضرورة في هذا الامتناع حرمانا مفروضا ، أو تحريما إراديا لما يجيزه الشّرع ؛ وذلك لأنّ لدينا تفسيرين لتزكية سلوكهم : فإمّا أنّهم لم يشعروا بحاجتهم إلى استعماله ، فهم يختارون أحد النّقيضين المباحين على سواء ، وإمّا أنّهم لانشغالهم بمراقبة حركة القلب ، وتوجيهها إلى خير نيّة ممكنة - يسقطون العمل الّذي تحركهم إليه نيّة مبتذلة ، مؤثرين عليه عملا آخر ، لا يرتابون في قيمته الأخلاقية ، على ما ذكره الغزالي : « من حضرت له نيّة في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى ، وانتقلت الفضيلة إليه ، وصارت الفضيلة في حقّه نقيض ، لأنّ الأعمال بالنّيّات ، وذلك مثل العفو ، فإنّه أفضل من الانتصار في الظّلم ، وربما تحضره نيّة في الانتصار دون العفو فيكون ذلك أفضل » « 1 » ، أي أنّ اختيارهم قد يختلف من حالة إلى أخرى ، تبعا للجهة الّتي تملي عليهم بالفعل دافعا أرقى ، وهو موقف شريف ، ومعقول تماما ، حينما تكون هنالك فرصة العمل ، ولكنه لا يكون كذلك حين تقتضي الظّروف عملا سريعا ، لأنّه حينئذ يجب أن نميز بين واجبين أداء : أن نعمل ، وأن نكون على نيّة حسنة ، فإذا لم يبلغ المرء أن يحقق الثّانية ، فهل من سبب يدعوه إلى إهمال كلّ شيء ؟ . . « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر ، إحياء علوم الدّين للغزالي : 4 / 364 . ( 2 ) انظر ، المحاسبي - كتاب الرّعاية : 169 ، قال : إنّ إبليس « يدعوك إلى الحذر من الرّياء بترك العمل ، ولما لم تطعه في ترك العمل دعاك إلى الرّياء ليحبط عملك ، فلما لم تطعه ، ولم تجبه إلى ذلك حذرك الرّياء -