الباطل يغتصب مكان الحقّ ، وترك الظّلم يتسلط ؟ ؟ .
ولكن ، إذا كان اللّوم الّذي يوجه ضد خطأ معين يثير من الأخطاء ما هو أشد خطرا ، وإذا كان التّشهير بالباطل يستتبع إظلام الحقيقة ، وإذا كان التمرد على الطّاغية ، مع العجز عن إقرار النّظام ، لا يؤدي إلّا إراقة دماء الأبرياء ، وجعل الاستبداد أشد تحكما ، كما لم يكن - إذا كان ذلك جائز الحدوث ، أوليس هذا هو موضع تطبيق المبدأ المشهور : « تجنب أسوأ الشّرين ، وتقبل أخفهما » ؟ ؟ .
وسوف لا يقتصر الأمر على أن نقول : إنّه « من الممكن » ، بل « من الواجب » أن نعتبر مقدما جميع النّتائج الّتي يمكن التّنبؤ بها ، والّتي يمكن أن يؤثر اعتبارها من قريب ، أو من بعيد - على تنظيم الواجب الحسي ، وتحديده بذاته .
والشّاطبي ، والحقّ يقال ، يعترف بذلك في مواضع أخرى .
ولقد نلاحظ حقا في هذه الحالات ، أنّ النّظر الّذي نوجهه إلى الأثر ، أو المسبّب لا يزودنا « بدافع العمل » ، ولكنه يزودنا على الأصح ، بشرط أو « مسوغ للتشريع » أي : أنّ فائدة هذا النّظر في دفع الإرادة أقل من فائدته في إضاءة الطّريق أمام فهم الواجب ، طالما أنّه ينبغي أن يتم ، من قبل أن يصبح أمر الواجب مفروضا على الإرادة . والواقع أنّ السّير الطّبيعي يقتضي أن يكون الضّمير واعيا أوّلا ، بالشروط الكاملة للعمل الّذي نؤديه ، وقد يؤدي هذا الوعي إلى اعتبار العمل تكليفا مطلقا ، دون اللّجوء إلى اعتبارات أخرى ، أو قد يتبلور في صورة تطمئننا مسبقا إلى أنّ الخير الّذي بدأناه لا يستتبع شرّا أكبر منه ، أو أنّ الواجب الّذي نتصوره لا يبطله واجب آخر أكثر جوهرية .
وحين يتم إقرار نظام العمل على هذا النّحو ، حينئذ فقط ، يمكن للنتائج
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 668
مساهمون: محمد عبد الله دراز
ص٦٦٨