تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 670

مساهمون:

ص٦٧٠
تتلمس ، أجر جهدها ، ولكنها الّتي تقدم نفسها ، وتستفرغ جهدها ، وتستنفد كلّ ما في طاقتها ، دون حساب ، إنّها هي الّتي « تنسى ذاتها في سبيل مثلها الأعلى » . ولقد وجدنا أنّ هذا المثل الأعلى يتقدم إلينا في شكلين مختلفين ، كلاهما يعرضه علينا القرآن . ففي الشّكل الأوّل تقف النّيّة عند صورة الواجب المجردة ، وتحركها فكرة وحيدة ، هي أنّه يجب أن ينفذ الأمر ، من حيث هو أمر علوي : أطع اللّه لأنّه حقيق أن يطاع ، بهدف أن تمتثل لأمره ، وأن تنال رضاه ، دون أن تحاول أن تفهم : لما ذا أعطى هذا الأمر ، وبغض النّظر عن الأسباب الصّالحة لتسويغه . فذلكم هو الشّكل الأوّل للإخلاص . بيد أنّ هناك شكلا آخر أقل تجريدا لهذا المثل الأعلى ، الّذي ينبغي أن تخلص له ، فبدلا من أن نتوقف عند الشّكل ، ننفذ إلى المعنى العميق للأمر ، ونحاول أن نوفق هدفنا الخاص مع هدف الشّارع . فنحن نهتم بإرساء قواعد النّظام ، والعدالة ، والحقّ ، ونستهدف في كلمة واحدة تحقيق الخير الّذي نعرف أنّه مقصود الشّرع ، أو نحدس بأنّه كذلك مسبقا . وكما رأينا فإنّ القرآن الكريم يقدم غالبا ، في الصّورة الأولى ، هدف الإرادة الطّيبة ، ولكن على الرّغم من كونها قليلة العدد فإنّ النّصوص الّتي تجعل من الخير في ذاته مثلا أعلى للنّيّة - قد جاءت صريحة ، وهكذا يحض القرآن المؤمنين على جهاد أعدائهم ، لا طاعة للّه فحسب ، ولكن لينقذوا المستضعفين :
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ
« 1 » ،
هامش
( 1 ) النّساء : 75 .