تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
أنّ هذين الحكمين لا يصدران إلّا عن مبدأ أخلاقي واحد ، أعني : إمكان اقتضاء الشّكل ، والمادة معا . فإذا ما نقص أحد هذين العنصرين فإنّه يظهر فاعليته بالفراغ الّذي يتركه خلفه ، في العمل الأخلاقي ، وفي عجز العنصر الآخر المتبقي ، عن أن ينشئ وحده الفضيلة الكاملة . والواقع أنّ الخير الأخلاقي ، في مجموعه ، لا ينحصر في حالة باطنية محضة ، ولا في حالة ظاهرية محضة ، بل هو ينحصر في الانتقال من إحداهما إلى الأخرى ، وهو انتقال ، لكي يكون جديرا باسمه ، يجب أن يضم كلا العنصرين على سواء ، ولا حاجة لأن نؤكد عجز العنصر المادي ، ذلك أنّ العمل الظّاهري الخالص ، وهو عمل يليق بإنسان غبي كالآلة ، قد يؤدي خدمات مفيدة للمجتمع ، ولكنه سوف يظل دون علاقة بشخصيتنا . ولقد يستطيع فعلا - على حسب تعبير كانت - أن يوفر لنفسه الشّرعية ، ولكنه لن يستطيع مطلقا أن يضمن الأخلاقية . بيد أنّ البرهنة على القضية الأخرى تبدو مهمة عسيرة ، أليس العنصر الرّوحي هو العنصر الجوهري في الواجب ، إن لم يكن هو كلّ الواجب ؟ . . إنّ هذه الفكرة مسلمة عموما ، حتّى إنّه يبدو من باب التّطاول أن نشكك فيها ، أو أن نضع لها بعض القيود . ومع ذلك فإنّها تحتاج إلى بعض التّحديدات الضّرورية . وأوّل هذه التّحديدات : أنّ فكرة « الإرادة » لا تشتمل فحسب على فكرة « القدرة » من حيث المبدأ ، أو الافتراض ( فعمل الإرادة مستحيل في حال اليأس الواقعي ، والكلّي ) ؛ ولكن من حيث كون « الإرادة » و « العزم » يتميزان ، كما يتميز الحاضر من المستقبل ، فالإرادة تفترض - كنتيجة مباشرة - نشاطا خارجيا معينا ،