إننا لكي نبدد هذا القلق ينبغي أن نذكر القانون العلوي للأخلاق القرآنية :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 1 » . فإنّ ما يجب علينا ليس هو عدم الوقوع في خطأ ، وليس هو أن نبلغ في جميع الظّروف الصّيغة الدّقيقة للواجب في ذاته ، وإنّما هو أن نبذل جهدا دائبا ، حتّى نزداد معرفة بهذا القانون الموضوعي ، ونهتدي بنوره .
ولكن شتان ما بين الرّغبة الحارة في أن نكون على الحقّ ، والاعتقاد التّلقائي بأننا نسير في طريقه ، في الواقع ، وما بين استخدام جميع الوسائل الّتي في قدرتنا لكي نصل إلى الحقّ . فارتكاب خطأ بسيط ، مقرونا بحسن النّيّة ، لا ينتج سوى العفو ، وهو أمر لا يفتأ القرآن يردده ، وليس معنى ذلك أنّ الاجتهاد الّذي يصحب هذا الخطأ ، ويسوغه بصورة معينة - لا وزن له في الميزان الأخلاقي .
فلقد ساق إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا العزاء فيما رواه عمرو بن العاص صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر » « 2 » .
إنّ في أيدينا الآن العناصر الضّرورية لتفسير التّناقض الّذي ذكرناه في بداية هذه الفقرة . فإذا كنّا قد خصصنا النّيّة السّيئة بدرجة من التّأثير ، والفاعلية لم نخص بها الإرادة الطّيبة ، فقد يعتقد أنّ لنا شأنا في مفهومين مختلفين لقيمة العامل الباطني ، الّذي يبرز أحيانا ، وينزوي أحيانا أمام العنصر المادي ، وإنّا لنعرف الآن
هامش
( 1 ) البقرة : 286 .
( 2 ) انظر ، صحيح البخاري : 6 / 2776 ح 6919 ، تفسير القرطبي : 11 / 310 ، صحيح مسلم : 3 / 1342 ح 1716 ، المعجم الأوسط : 3 / 292 ح 3190 ، مسند أحمد : 4 / 204 ، شرح النّووي على صحيح مسلم : 12 / 13 ، تهذيب الكمال : 34 / 205 ، سبل السّلام : 4 / 117 ، تحفة المحتاج : 2 / 576 ح 1760 .