تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
انتهائها في الخارج . وهكذا نجد أنّ النّيّة لا تقتصر على أنّها تدعو لعمل ، وتتوقع أن يتبعها فحسب ، بل إنّها تحتويه كنطفة ، إن لم يكن وليدا . ولنمض إلى ما هو أبعد . تصور عالما يكون الإنسان فيه منطويا على نفسه ، مقتصرا على تغذية آمال ، وصوغ مشروعات ، أو حتّى بذل جهود يائسة ، وافترض أنّه قضي عليه أن يدور في هذه الحلقة ، دون نظر ، أو قدرة على الواقع - فأيّة غاية عقلية يمكن أن نعزوها إلى خلق آلة كهذه من الأفكار غير المؤثرة ، والمشروعات المبتورة ، والمحاولات المخفقة ؟ . أيكون هذا حقا هو النموذج المثالي لطبيعة عاقلة ؟ . إنّا لنعتقد على خلاف ذلك بأنّ كلّ كائن مزوّد بعقل ، مهمته على الأرض أن يخلق فيها وقائع موضوعية ممكنة ، ودوره الأخلاقي أن يطوع هذا الخلق لفكرة الخير ، حتّى يجعل الدّنيا من مرحلة إلى أخرى - أكثر كمالا . ومما لا شك فيه أنّ هذه المهمة المزدوجة ، من العزم ، والتّحقيق ، والّتي ينظر إليها عموما على أنّها مقسمة بين سلطتين متميزتين في الإنسان ، يحتم الضّمير الأخلاقي الّذي لا يقبل الانقسام وجودها في وحدة شاملة . وحتّى لو صادف جهدنا في التّنفيذ تعويقا ، أو اعترضته عقبات لا يستطاع تذليلها ، فإننا لا نتخلى عن الإحساس بهذه الضّرورة المزدوجة الدّاخلية . والحقّ أنّه ينبغي أن نفرق هنا بين حالتين ممكنتين : فإمّا أن يبدو لنا توقع هذه العقبات العصية في اللّحظة الّتي تتحفز فيها الإرادة
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 601 | محمد عبد الله دراز