وها نحن أولاء نجد أنفسنا بعيدين عن مستوى الحس الأخلاقي الّذي هو غاية في ذاته ، حيث كانت الواجبات تمتدح ، وتقدر تبعا لطبيعتها الخاصة ، وحين تدخلت المشاعر الدّينية بعد ذلك لتحفز من جانبها إلى إيقاظ هذا الحس كنّا لا نزال في مجال عناصر تنتمي إلى أسرة واحدة .
أمّا الآن ، فإنّ لنا شأنا مع طرف ثالث ليس من الأسرة ، وحاشاه أن يكون البحث عن اللّذة ، أو الطّمع في الكسب ، أو تدبيرا ماهرا لإجراءات محترسة لمداراة الرّذائل . ولكنه العقل الرّشيد العملي ، وغريزة المحافظة على النّفس ، وشعور مشروع بحبّ الذات ، واهتمام طيب بخلق روابط من الصّداقة المتبادلة
هامش
- الوجودية : قابلية الحياة ، أو الزّوال . ( انظر ، سورة إبراهيم آيتي : 24 و 26 ) . ومن هذا القبيل الموازنة بين الزّبد الّذي يختفي ويتلاشى ، والماء الّذي يبقى ( الرّعد : 17 ) . ومع ذلك إنّ هذه النّصوص ليست في مكانها هنا إلّا من حيث كون دوام الحقيقة ، وإثمارها يمكن أن تتكفل بتحقيقهما شريعة الفطرة .
ولا ريب أنّ من العسير أن نثبت على سبيل القطع أنّ الحقيقة في غنى عن أن تكون معروفة ، ومنشورة بقدر كاف ، لتكون معترفا بها ، ومدافعا عنها . ومع أنّها قد اضطهدت طويلا ، وأزهقت كثيرا ، فإنّها سوف تجد في النّهاية تأريخا منصفا يرد إليها اعتبارها ، وأرواحا طاهرة تعتنقها .
ومن الممكن أيضا أن نقول : إنّ نجاح الكذب ، وحياته المؤقتة إنّما يدين بهما دائما لأنّه يتقمص شرائع الحقّ . وفي نفس النّظام الفكري الّذي تفيده هذه الموازنات يمكن أن نذكر كثيرا من النّصوص ينحصر استهزاؤها بالوثنية والشّرك في أنّهما يتوسلان إلى ذوات فانية :وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- القصص : 88 ، وهي ذوات عاجزة عن أن تضر أو تنفع ، عاجزة عن أن تمنع ما يريد اللّه أن يكون ( المائدة : 76 ، الأنعام : 17 و 46 و 62 و 71 و 192 - 198 ، يونس : 18 و 106 ، الرّعد : 14 و 16 ، الإسراء : 56 و 67 ، الأنبياء : 42 و 43 ، المؤمنون : 12 و 13 ، الفرقان : 3 و 55 ، النّمل : 71 و 72 ، الرّوم : 30 ، فاطر : 2 و 3 و 14 ، ويس : 75 ، الزّمر : 38 ، الأحقاف : 5 ، الملك : 20 و 21 و 30 ) ، وواضح أنّ الأمر في هذا كلّه أمر وصف لواقع راهن ، وليس أمر إخبار بنتيجة مستقبلة . ولنلاحظ من ناحية أخرى أنّ عبادة هذه الذوات لا تستتبع هنا نتيجة طبيعية إيجابية ، بل هي تستتبع مناقضة .