تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
الكلام من كلا جانبيه بصبغة محايدة ، ومتحفظة . وهذا الازدواج بدوره سوف يجد صداه في ازدواج المشاعر الّتي سوف يتقاسم بينها المخاطبون ، أو أنّه سوف يتمخض بالأحرى عن شعور مركب ، بين الحماس ، والرّهبة ، وعن خليط من الاحترام ، والاحتشام ، وما لا أدري أيضا . ثالثا : موقف طائع من حيث المبدأ ، ولكن لما كان وجود بعض الظّروف الخاصة قد يقحم فيه بعض التّغييرات فإنّ النّغمة تبدأ في أن تصبح أكثر صرامة . والحقّ أنّ موضوع التّفسير يبقى ثابتا لا يتغير ، فهو يحتفظ بالصيغة المجردة كما كان في المرحلة السّابقة ، ولكنا نرى عبارة التّكليف تلح بخاصة على جانب التّحريم ، كأنّما كان هنالك ملامح نزوع إلى نقض القاعدة . ومن الطّبيعي جد حينئذ أن يزداد وضوح التّنبيه الّذي يدعم القاعدة . وأن يغير معناه على الفور ، وألا تظل كمية الطّاقات الّتي يحتويها بنفس النّسبة الّتي كانت منذ قليل ، وأن يتغلب عنصر ( المنع ) منذئذ على عنصر ( الدّفع ) :
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
« 1 » . ومن هنا كان عدم التّناسب في المشاعر الموقظة ، الّتي يغلب عليها بلا شك شعور الحياء ، والواقع أنّ فكرة كوننا أمام اللّه لا يمكن أن تحتل عقولنا عندما نتخيل بعض المشروعات الخبيثة ، إلّا إذا مارسنا ضد هذه الخبائث كبحا ، يتفاوت في درجة قوته ، وإذا سيطرت هذه الفكرة على عقولنا ( أي فكرة مثولنا أمام اللّه ) فإننا نخاف أن نرتكب أمرا ، مهما صغر ، يجعلنا نحمر خجلا أمام عظمة
هامش
( 1 ) البقرة : 181 و 224 و 227 و 231 و 282 و 283 ، آل عمران : 156 ، النّساء : 94 و 135 و 148 وهود : 112 ، النّحل : 91 ، الأحزاب : 1 و 2 و 52 ، الحجرات : 1 . ( - 2 آ و 14 ب ) .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 462 | محمد عبد الله دراز