الزاهدين مصفرّة من تعب الليل ، وصوم النهار ، وألسنتهم كلال إلّا من ذكر اللّه ، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة ما يخالفون أهواءهم ، قد ضمروا أنفسهم من كثرة صمتهم ، قد أعطوا المجهود من أنفسهم ، لا من خوف نار ولا من شوق جنّة ، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرضين ، فيعلمون أنّ اللّه سبحانه وتعالى أهل للعبادة « 1 » .
ومنها : ترك ما زاد عن قدر الضرورة من الدّنيا :
فإنّه محمود العاقبة ، حسن النتيجة ، ضرورة انّ كثرة المذام الواردة في حقّ الدنيا تقضي بحسن الاعراض عمّا زاد عن مقدار الضرورة منها ، كيف لا ؟
وقد ورد انّ : الدنيا سجن المؤمن ، وجنّة الكافر « 2 » . وانّها لو عدلت عند اللّه جناح بعوضة لما سقي الكافر منها شربة ماء « 3 » . وانّه : ما من أحد من الأولين والآخرين الّا وهو يتمنّى يوم القيامة أنّه لم يعط من الدّنيا الّا قوتا « 4 » . وانّ مثل الدّنيا كمثل الحية ما ألين مسّها وفي جوفها السمّ الناقع ، يحذرها الرجل العاقل ويهوى إليها الصبيّ الجاهل « 5 » . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام - في وصيّته لمحمّد بن الحنفية - : لا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت ، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة « 6 » . وقال الحسن بن علي عليهما السّلام - في حديث - :
هامش
( 1 ) مستدرك وسائل الشيعة : 2 / 333 باب 62 حديث 20 .
( 2 ) الفقيه : 4 / 262 باب 176 النوادر من وصايا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السّلام .
( 3 ) الفقيه : 4 / 263 باب 176 النوادر .
( 4 ) الحديث المتقدم .
( 5 ) أصول الكافي : 2 / 136 باب ذم الدنيا والزهد فيها حديث 22 .
( 6 ) الفقيه : 4 / 276 باب النوادر حديث 10 في وصية أمير المؤمنين عليه السّلام لمحمد بن -