السّلام - مع كونه بدينا شيخا - قد خرج لإصلاح أمر البستان ، فقيل له في ذلك ، فأجاب عليه السّلام بما يدلّ على رجحان مثله « 1 » كما مرّ الخبر الناطق بذلك في أوائل المقام الأول من الفصل التاسع .
وحدّ الزهد في الدنيا المحبوب إنّما هو عدم عقد القلب بالمال والشرف ونحوهما من علايق الدّنيا ، وعدم قطع الثقة باللّه بسبب المال ، وترك الزوائد عن مقدار تعيّش أواسط الناس ، كما يستفاد ذلك كلّه من كلمات أهل بيت العلم والعصمة سلام اللّه عليهم أجمعين . فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : إنّ الزهد بين كلمتين من القرآن ، قال اللّه تعالى
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
« 2 » ، فمن لم ييأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد استكمل الزهد بطرفيه « 3 » . وقال عليه السّلام أيضا تارة : إنّ الزهد في الدنيا تنكيب حرامها « 4 » .
هامش
( 1 ) الكافي : 5 / 73 باب ما يجب من الاقتداء بالأئمة عليهم السّلام في التعرض للرزق حديث 1 ، بسنده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : إنّ محمد بن المنكدر كان يقول : ما كنت أرى أنّ علي بن الحسين عليه السّلام يدع خلفا أفضل منه حتى رأيت ابنه محمد بن علي عليهما السّلام ، فأردت أن أعظه فوعظني ، فقال له أصحابه : بايّ شيء وعظك ؟ قال : خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيني أبو جعفر محمد بن علي - وكان رجلا بادنا ثقيلا وهو متّكىء على غلامين أسودين أو موليين - فقلت في نفسي : سبحان اللّه - شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ؟ ! أما لأعظنّه ، فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ عليّ السّلام بنهر [ اي بزجر ] وهو يتصابّ عرقا ، فقلت : أصلحك اللّه ! شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أرأيت لو جاء أجلك وأنت على هذه الحال ما كنت تصنع ؟ فقال : لو جاءني الموت - وأنا على هذه الحال - جاءني وأنا في طاعة من طاعة اللّه عزّ وجلّ اكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس ، وإنّما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي اللّه ، فقلت : صدقت يرحمك اللّه ، أردت أن أعظك فوعظتني .
( 2 ) سورة الحديد : 23 .
( 3 ) نهج البلاغة : 3 / 258 برقم 439 .
( 4 ) معاني الأخبار : 251 باب معنى الزهد حديث 1 .