تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنّ النّار وأهلها يعجّون من أهل الرّياء ، قيل : يا رسول اللّه وكيف تعجّ النّار ؟ قال من حرّ النّار الّتى يعذّبون بها » وفي هذه الفضائح عبرة لأولى الأبصار ، واللّه سبحانه ولى الهداية بفضله . فإن قلت : فأخبرنا عن حقيقة الإخلاص والرّياء وحكمهما وتأثيرهما في العمل ، فاعلم أنّ الإخلاص عند علمائنا إخلاصان : إخلاص العمل ، وإخلاص طلب الأجر . فأمّا إخلاص العمل ، فهو إرادة التّقرّب إلى اللّه عزّ وجلّ وتعظيم أمره وإجابة دعوته ،
شرح
صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن النار وأهلها يعجون ) أي يصيحون بالاستعاذة ( من أهل الرياء . قيل يا رسول اللّه وكيف تعج ) أي تصيح ( النار ؟ قال ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( من حر النار التي يعذبون بها » . وفي هذه الفضائح عبرة لأولى الأبصار ) أي أصحاب البصائر ( واللّه سبحانه ولى الهداية بفضله .

[ الكلام في إخلاص العمل ]

فإن قلت فأخبرنا عن حقيقة الإخلاص والرياء وحكمهما وتأثيرهما في العمل فاعلم أن الإخلاص عند علمائنا ) معاشر الصوفية رضوان اللّه عليهم ( إخلاصان ) : أحدهما ( إخلاص العمل و ) الثاني ( إخلاص طلب الأجر ، فأما إخلاص العمل ) الكامل ( فهو إرادة التقرب إلى اللّه عز وجل وتعظيم أمره وإجابة دعوته ) دون إرادة شئ آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح منهم أو معنى من سائر المعاني سوى التقرب إليه تعالى كأن يريد بعبادته ثواب الآخرة أو إكرامه في الدنيا وسلامته من آفاتها أو استعانته على أمور دينه كمن يراه والده ليدعو له بالخير أو شيخه ليعينه على مقاصده الدينية فليس ذلك من الاخلاص الكامل ولا مطلقه إلا فيما يريد به ثواب الآخرة أو الاكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها فلا يخرج عن حد الإخلاص ومراتبه ثلاث : عليا ؛ وهي أن يعمل للّه وحده امتثالا لأمره وقياما بحق عبوديته . ووسطى ، وهي أن يعمل لثواب الآخرة . ودنيا ، وهي أن يعمل للاكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها وما عدا ذلك رياء وإن تفاوتت أفراده ، ويصح أن يقال الاخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين بأن لا يلتفت إلى مدحهم وذمهم وما في أيديهم ، أو يقال هو التوقي عن ملاحظة الأشخاص ، وهو قريب مما قبله ، وورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر عن جبريل عنه تعالى : « الاخلاص سر من سرى استودعته من أحببت من عبادي » ولا يحصل ذلك إلا لمن بعد عن الأغيار في معاملة الجبار ليحصل بينه وبينه السر : أي المعاملة الخفية . وقد قيل : من لم يكن بينه وبين اللّه سر فهو مصر : أي على شغل قلبه بغير ربه فلم يتب عنه . وسبب الإخلاص علم العبد باحتياجه إليه في العمل النافع له في دينه ودنياه ، وثمرته السلامة من العقاب والعتاب ونيل عالي