تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١

[ الأدلة العقلية على ثبوت الإله سبحانه وتعالى ]

وقد ذكرها شيوخنا رضى اللّه عنهم في كتبهم الّتى صنّفوها في أصول الدّيانات
شرح
الطلبي ، وإما أمر ونهى وإلزام بطاعته ، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته ، وإما خبر عن إكرامه أهل توحيده وإهانته لأهل الكفر ، وما فعل بهم في الدنيا من النكال ، وما يحلّ بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال ، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد ، فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله ، وفي شأن ذمّ الشرك وعقوق أهله وجزائهم ، فالحمد للّه ربّ العالمين : توحيد ، الرحمن الرحيم توحيد ، مالك يوم الدّين توحيد ، إياك نعبد وإياك نستعين توحيد ، اهدنا الصراط المستقيم توحيد ، متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أصل التوحيد ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين - الذين فارقوا التوحيد عنادا وجهلا وإفسادا ، وكذا السنة تأتى مبينة أو مقررة لما دلّ عليه القرآن ، فلم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأى فلان وذوق فلان ووجه فلان في أصول ديننا ، ولذا تجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين ، بل قال تعالى« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »فلا نحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة كما قال« هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ » .وقال« أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ »وقال« وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » :وإلى هذا المعنى أشار الطحاوي بقوله في أوّل عقيدته : لا ندخل في ذلك متأولين رأينا ولا متوهمين بأهوائنا ، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم اللّه عز وجل انتهى كلامه ، وإنما أوردته بطوله لكونه في غاية الحسن ، فلله دره وشكر اللّه صنعه ( وقد ذكرها ) أي أدلة التوحيد ( شيوخنا رضى اللّه عنهم ) أي حفظهم من سخطه ( في كتبهم التي صنفوها في أصول الديانات ) قد أوسع الكلام في أدلة التوحيد فيما رأيت الإمام أبو منصور التميمي في الأسماء والصفات فأورد فيه خمسة أدلة ، وشرط في برهان التمانع شروطا لم أرمن تعرّض لها من المتكلمين . ونحن نورد لك كلامه بتمامه ليكون تبصرة للناظر يستفيد منه ، ولغرابة هذا الكتاب ربما لا يوجد في أكثر البلاد ، فنقول : قال في بيان أدلة الموحدين على توحيد الصانع : ومما يدل على ذلك أنه إذا ثبت لنا حدوث العالم ، وثبت أنه لا بدّ من محدث لاستحالة وجود فعل بلا فاعل كاستحالة وجود ضرب بلا ضارب ، ووجود نسخ وكتابة بلا ناسخ وكاتب ، كان إثبات محدث واحد لجميع الحوادث صحيحا ، وكانت الأعداد ما زاد عليه متعارضة ؛ فلو جاز أن يكون للعالم صانعان لجاز أن يكون له ثلاثة صانعين ، ولجاز أربعة وأكثر منها لا إلى نهاية ، ولا يلزمنا على هذا الدليل إذا أوجبنا صانعا واحدا أن نجيز أكثر منه ، لأن الواحد أوجبه الدّليل بوجود الصنع ، وظهور الحوادث ، والزيادة على الواحد لا يوجبها دليل ، لأن الصنع لا يقتضي أكثر من صانع واحد . ودليل آخر هو أنه لو جاز أن يكون للعقلاء والجمادات وسائر الحوادث صانعان أو أكثر من صانع واحد لم يصل الواحد من العقلاء إلى معرفة صانعه بعينه ليعبده ويشكره على إنعامه عليه