تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠

[ فصل في علوّ الهمّة ]

فصل ومنها : علوّ الهمّة ، أي ملكة السعي في نيل المعالي وما به كمال النفس وعدم الكسل والفتور في تحصيلها وإن كان عسر الحصول محتاجا إلى بذل مجهود ، ونيل كلفة ومشقّة ، ولا تحصل هذه الملكة إلّا بكبر النفس وشدّة اليقين ، لأنك إذا نظرت إلى ملاذّ الدنيا بعين الخساسة والاحتقار واطّلعت على زوالها وفنائها وعدم وفائها بطالبيها في هذا الدار ، وعلمت أنّ نعماءها مشوبة بالذلّ والهوان ، ولذّاتها مكدّرة بالهموم والآلام والأحزان ، وعرفت أنّ اللذّة الحقيقية مقصورة في الكمالات النفسيّة ، وأنّها لا تحصل بعد حصولها إلّا في النشأة الأخروية وتيقّنت بأنك ما لم ترفع اليد عن الأولى لم يتيسّر لك الوصول إلى الأخرى ، حصلت لك همّة عالية في الاعراض عن حطام الدنيا ، قليلها وجليلها ، والشوق والاهتمام في طلب السعادة الحقيقية وتحصيلها ، ولم تبال بما يعرض عليك من شدائد الدنيا ومصائبها ولم تخف عمّا يعتريك في سلوك هذا الطريق من مكارهها ونوائبها ، بل كنت طالبا للقتل بقواطع السيوف ، راغبا في الموت بأعظم الحتوف ، شائقا للوصول إلى الملأ الأعلى والاستنارة بأنوار الحق تعالى قائلا :
مرگ اگر مرد است گو نزد من آي * تا در آغوشش در آرم تنگ تنگ من از أو عمرى ستانم جاودان * أو ز من دلقى ستاند رنگ رنگ
فهذه هي الشجاعة الحقيقية والسعادة الأبدية ، فلا تظنّ أنك تقدر على تحصيل الفضائل ونيل المعالي بدون هذه السجيّة ، أو يمكنك التشمّر لتحصيلها من غير حصول هذه الملكة القويّة . ثم الشهامة فرد منه كما علم من تفسيرها سابقا .