إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 8
الباب الأول في ذكر الموت والترغيب في الإكثار من ذكره اعلم أن المنهمك في الدنيا المنكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت ، فلا يذكره . وإذا ذكر به كرهه ونفر منه أولئك هم الذين قال فيهم : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجمعة : 8 ] ، ثم الناس : إما منهمك ، وإما تائب مبتدىء ، أو عارف منته . أما المنهمك : فلا يذكر الموت ، وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه الباب الأول في ذكر الموت والترغيب في الإكثار من ذكره ( اعلم ) وفقك اللّه تعالى أن المقامات التسع التي ذكرها المصنف ليست على رتبة واحدة ، بل بعضها مقصودة لذاتها كالمحبة والرضا فإنهما أعلى المقامات ، وبعضها مطلوبة لغيرها كالتوبة والزهد والخوف والصبر ، إذ التوبة رجوع عن طريق البعد وإقبال على طريق القرب ، والزهد ترك التشاغل عن القرب ، والخوف سوط يسوق إلى ترك الشواغل ، والصبر جهاد مع الشهوات القاطعة لطريق القرب ، وكل ذلك غير مطلوب لذاته ، بل المطلوب القرب والمحبة ، والمعرفة مطلوبة لذاتها لا لغيرها ، ولكن لا يتم إلا بقطع حب غير اللّه من القلب فاحتيج إلى الخوف والصبر والزهد لذلك من الأمور العظيمة النفع فيه ذكر الموت ، فلذلك أورده آخرا ، ولذلك عظم الشرع ثواب ذكره إذ به ينقص حب الدنيا وتنقطع علاقة القلب عنها ، وإذا فهمت ذلك فاعلم ( أن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره ) بلسانه وبقلبه ، ( وإذا ذكر به كرهه ونفر منه أولئك الذين قال اللّه تعالى فيهم : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ) وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم ( فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) لا تفرون منه لا حق بكم ( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بأن يجازيكم عليه ، وما قبل هذه الآية : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [ الجمعة : 6 ، 7 ] ( ثم الناس إما منهمك ) في حب الدنيا ( وإما تائب مبتدىء أو عارف منتهى ) قد انتهى في سيره ، ( أما المنهمك فلا يذكر الموت ) أصلا لاشتغاله بما ينفره عنه ( وإن ذكره ) يوما ( فيذكره للتأسف على دنياه ) أي على ما يفوته منها ( ويشتغل