إلى التمرغ في التراب ، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة ، ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل ، فانظر هل وجدوا من الموت حصنا وعزا واتخذوا من دونه حجابا وحرزا ، وانظر
هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً
[ مريم : 98 ] فسبحان من انفرد بالقهر والاستيلاء ، واستأثر باستحقاق البقاء ، وأذل أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء ، ثم جعل الموت مخلصا للأتقياء وموعدا في حقهم للقاء ، وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل والقضاء ، فله الأنعام بالنعم المتظاهرة ، وله الانتقام بالنقم القاهرة ، وله الشكر في السماوات والأرض وله الحمد في الأولى والآخرة ، والصلاة على محمد ذي المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد ؛ فجدير بمن الموت مصرعه ، والتراب مضجعه ، والدود أنيسه ، ومنكر ونكير جليسه ، والقبر مقره وبطن الأرض مستقره والقيامة موعده ، والجنة أو النار
شرح
التمرغ في التراب ، ومن أنس العشرة ) بكسر العين وسكون الشين الجماعة المعاشرون ( إلى وحشة الوحدة ) وبين كل من الضياء والظلمة والأنس والوحدة وحسن المقابلة ، ( ومن المضجع الوثير ) أي اللين ( إلى المصرع الوبيل ) أي الوخم ، ( فانظر هل وجدوا من الموت حصنا ) يمنعهم منه ( أو اتخذوا من دونه حجابا وحرزا ) يدفعهم عنه ، ( وانظر : هل تحس منهم من أحد ) أي هل تشعر بأحد منهم أو تراه ( أو تسمع لهم ركزا ) أي صوتا خفيا .
( فسبحان من انفرد بالقهر والاستيلاء ) أي الغلبة ( واستأثر ) أي اختص ( باستحقاق البقاء ) بنفسه لا إلى عمدة ولم يصح عليه الفناء ، ( وأذل أصناف الخلق ) أي أنواع المخلوقات ( بما كتب عليهم من الفناء ) وهذا هو البقاء بغيره مما سواه سبحانه ، فإنه يصح عليه الفناء ، ( ثم جعل الموت مخلصا ) من الحبس ( للأتقياء ) أي للمؤمنين الموصوفين بالتقوى ، ( وموعدا في حقهم للقاء ) يشير إلى قوله تعالى :مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ[ العنكبوت :
5 ] ( وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل والقضاء ) كما وردت بذلك الأخبار وسيأتي ذكرها ، ( فله الإنعام بالنعم المتظاهرة ) أي العديدة المعاونة بعضها بعضا ، ( وله الانتقام بالنقم القاهرة ) أي الغالبة ، ( وله الشكر في السماوات والأرض ، وله الحمد في الأولى والآخرة والصلاة على ) سيدنا ( محمد ذي المعجزات الظاهرة ) أي المعلومة ( والآيات الباهرة ) وتقدم الكلام على المعجزة والآية وذكر الفرق بينهما ، ( وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ) .
( أما بعد : فجدير بمن الموت مصرعه ، والتراب مضجعه ، والدود أنيسه ، ومنكر ونكير جليسه ، والقبر مقره ، وبطن الأرض مستقره ، والقيامة موعده ، والجنة والنار