معذور في كراهة الموت ، وهذا معذور في حب الموت وتمنيه ، وأعلى منهما رتبة من فوّض أمره إلى اللّه تعالى فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة ، بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه . فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية
شرح
في الحلية فقال : حدثنا عبد الرحمن بن العباس ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، حدثنا محمد بن سليم ، عن إسماعيل بن كثير ، عن زياد مولى ابن عياش قال : حدثني من دخل على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال : لولا أني أرى أن هذا اليوم آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة لم أتكلم به . اللهم إنك تعلم أني كنت أحب الفقر على الغنى ، وأحب الذلة على العز ، وأحب الموت على الحياة . حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ثم مات رحمه اللّه تعالى .
وأخرجه ابن الجوزي في كتاب الثبات ، عن محمد بن القاسم أخبرنا أحمد بن أحمد ، أخبرنا أحمد ابن عبد اللّه الأصبهاني هو صاحب الحلية فذكره .
وقال أبو نعيم أيضا : حدثنا عبد الرحمن بن العباس ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق المخرمي ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا السري بن يحيى عن الحسن قال : لما حضر حذيفة الموت قال : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ، الحمد للّه الذي سبق بي الفتنة قادتها وعلوجها .
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين : حدثني الربيع بن تغلب ، حدثني فرج بن فضالة ، عن أسد بن وداعة قال : لما مرض حذيفة مرضه الذي مات فيه قيل له : ما تشتهي ؟ قال : أشتهي الجنة .
قالوا : فما تشتكي ؟ قال : الذنوب . قالوا : أفلا ندعو لك الطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني لقد عشت فيكم على خلال ثلاث : الفقير فيكم أحب إلي من الغني ، والضعة فيكم أحب إلي من الشرف ، وإن من حمدني منكم ومن لا مني في الحق سواء ، ثم قال : أصبحنا . قالوا : نعم . قال : اللهم إني أعوذ بك من صباح النار . حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم .
وأخرجه ابن الجوزي في كتاب الثبات عن إسماعيل بن أحمد ، أخبرنا محمد بن هبة اللّه ، أخبرنا علي بن محمد بن بشران ، حدثنا ابن صفوان ، حدثنا أبو بكر القرشي هو ابن أبي الدنيا فذكره .
وقد رويت هذه المقالة أيضا عن معاذ بن جبل أنه لما طعن كفه قال : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم . رواه ابن عساكر عن عبد الرحمن بن غنم عنه .
( فإذا التائب معذور في كراهة الموت ، وهذا معذور في حب الموت وتمنيه ، وأعلى منهما رتبة من فوض أمره إلى اللّه تعالى فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة ) ولا نفعا ولا ضرا ، ( بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه ) كما روي ذلك عن عدة من السلف وتقدم في كتاب المحبة والرضا ؛ ( فهذا قد انتهى بفرط الحب إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية والمنتهى ) لأنه لا يتصور وقوع ذلك إلا بعد كمال المحبة فلو تمنى أهل النهي من أولي الألباب غاية الأماني فكونت لهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن اللّه في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره خيرا لهم