تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
الأمل في المبادرة إلى العمل ، وكل إنسان يدعي أنه قصير الأمل وهو كاذب ، وإنما يظهر ذلك بأعماله فإنه يعتني بأسباب ربما لا يحتاج إليها في سنة ، فيدل ذلك على طول أمله . وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب العين لا يغفل عنه ساعة ، فليستعد للموت الذي يرد عليه في الوقت ، فإن عاش إلى المساء شكر اللّه تعالى على طاعته وفرح بأنه لم يضيع نهاره بل استوفى منه حظه وادخره لنفسه ، ثم يستأنف مثله إلى الصباح ، وهكذا إذا أصبح . ولا يتيسر هذا إلا لمن فرغ القلب عن الغد وما يكون فيه ، فمثل هذا إذا مات سعد وغنم وإن عاش سر بحسن الاستعداد ولذة المناجاة ؛ فالموت له سعادة والحياة له مزيد ، فليكن الموت على بالك يا مسكين فإن السير حاث بك وأنت غافل عن نفسك ، ولعلك قد قاربت المنزلة وقطعت المسافة ولا تكون كذلك إلا بمبادرة العمل اغتناما لكل نفس أمهلت فيه .
شرح
يدعي أنه قصير الأمل وهو كاذب ) في دعواه ( وإنما يظهر ذلك بأعماله فإنه يعتني بأسباب ربما لا يحتاج إليها في سنته ، فيدل ذلك على طول أمله ، وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب العين لا يغفل عنه ساعة ، فيستعد للموت الذي يرد عليه في الوقت ، فإن عاش إلى المساء شكر اللّه تعالى على طاعته وفرح فإنه لم يضيع نهاره بل استوفى منه حظه وادخره لنفسه ، ثم يستأنف مثله إلى الصباح ، وهكذا إذا أصبح ولا يتيسر هذا إلا لمن فرغ القلب عن الغد وما يكون فيه ، فمثل هذا إذا مات سعد وغنم وإن عاش سرّ لحسن الاستعداد ولذة المناجاة ، فالموت له سعادة والحياة له مزيد ، فليكن الموت على بالك يا مسكين فإن السير حاث بك وأنت غافل عن نفسك ، ولعلك قد قاربت المنزل وقطعت المسافة ولا تكون كذلك إلا بمبادرة العمل اغتناما لكل نفس أمهلت فيه ) . اعلم أن العارف الكامل المستهتر بذكر اللّه تعالى مستغن عن ذكر الموت ، بل حاله الغنى في التوحيد لا التفات له إلى ماض ولا مستقبل ولا إلى الحال من حيث أنه حال ، بل هو ابن وقته ، وكذلك يفارقه الخوف والرجاء لأنهما سوطان يسوقان العبد إلى هذه الحال التي ملابسها بالذوق وكيف يذكر الموت وإنما يراد ذكر الموت لقطع علاقة قلبه عما يفارقه بالموت ، والعارف قد مات في حق الدنيا وفي حق كل ما يفارقه بالموت ، فإنه قد ترفع وتنزه عن الالتفات إلى الآخرة أيضا فضلا عن الدنيا بل قد ينغص عليه ما سوى اللّه تعالى ، ولم يبق له من الموت إلا كشف الغطاء ليزداد به وضوحا ليزداد يقينا ، وهو قول علي رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فإن الناظر إلى غيره من وراء ستر لا يزداد برفع الستر يقينا بل يزداد وضوحا فقط » فإذا ذكر الموت يحتاج إليه من لقلبه التفات إلى الدنيا ليعلم أنه سيفارقها فلا يعتكف بهمته عليها ، فتأمل ذلك .