تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة ، وكسر به ظهور الأكاسرة وقصر به آمال القياصرة الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة ، حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة ، فنقلوا من القصور إلى القبور ، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود ، ومن ملاعبة الجواري والغلمان ومقاساة الهوام والديدان ، ومن التنعم بالطعام والشراب
شرح
بالاختصار والإجمال وكتبت ما تبادر في استحضاري أولا فأولا ، ولم أتفرغ لإراحة العنان لكوني مستعجلا ، وباللّه توكلي وبه أستعين إنه هو المعين في أمور الدنيا والدين وهذا أوان شروع المقصود ، بعون الملك المعبود . قال المصنف رحمه اللّه تعالى : بسم اللّه الرحمن الرحيم ( الحمد للّه الذي قصم بالموت رقاب الجبابرة ) القصم كسر الشيء حتى يبين ، وقولهم في الدعاء قصمه اللّه معناه أذله وأهانه وهذه المعاني الثلاثة محتملة هنا ، والرقاب جمع الرقبة محركة العنق ، وقيل أصل مؤخره ويجمع أيضا على رقب وأرقب ورقبات ، والجبابرة جمع جبار وهو فعال من الجبر بمعنى القهر والاذلال . يقال : جبره السلطان إذا قهره وسامه الخسف وأجبره لغة فيه . قال الأزهري : هما جيدتان ، وقال ابن دريد في باب ما اتفق عليه أبو زيد وأبو عبيدة مما تكلمت به العرب من فعلت وأفعلت جبرت الرجل على الشيء وأجبرته ، ( وكسر به ظهور الأكاسرة ) جمع كسرى بفتح الكاف وكسرها لغتان مشهورتان وحكى الفتح عن الأصمعي والكسر عن غيره ، ( وقصر به آمال القياصرة ) جمع قيصر . قال المطرزي وابن خالويه : كل من ملك الروم قيصر ، ومن ملك الفرس كسرى ، وقد جاء ذكرهما في الحديث . رواه الترمذي عن أبي هريرة : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، وفي كل من الجملتين جناس الاشتقاق ، وفي الثانية فقط براعة الاستهلال . ( الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة حتى جاءهم الوعد الحق ) الذي هو الموت فإنه حتم في رقاب العباد ، ( فأرداهم ) أي أوقعهم ( في الحافرة ) أي المحفورة ، والمراد بها القبر ، وأما قوله تعالى :أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ[ النازعات : 10 ] فالمعنى إلى أمرنا الأول وهو الحياة . وقال مجاهد : أي خلقا جديدا . وقال ابن الاعرابي : أي إلى الدنيا كما كنا يقال عاد إلى حافرته . أي رجع إلى حالته الأولى ، ( فنقلوا من أعالي القصور إلى أسافل القبور . ومن خباء المهود ) جمع المهد بمعنى الممهود وهو الفرش المهيأ للاضطجاع ( إلى ظلمة اللحود ) جمع اللحد وهو القبر الملحود ، ( ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مصاحبة ) وفي نسخة مقاساة ( الهوام والديدان ، ومن التنعّم بالشراب إلى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 4 | مرتضى الزبيدي