يشاهد الإنسان توالد الحيوانات وقيل له : إن صانعا يصنع من النطفة القذرة مثل هذا الآدمي المصوّر العاقل المتكلم المتصرف لاشتدّ نفور باطنه عن التصديق به ، ولذلك قال اللّه تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
[ يس :
77 ] ، وقال تعالى :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
[ القيامة : 36 - 39 ] ، ففي خلق الآدمي - مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه - أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته ، فكيف ينكر ذلك من قدر اللّه تعالى وحكمته من يشاهد ذلك في صنعته وقدرته ؟ فإن كان في إيمانك ضعف فقوّ الإيمان بالنظر في النشأة الأولى ، فإن الثانية مثلها وأسهل منها ، وإن كنت قوي الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار ، لتسلب عن قلبك الراحة والقرار ، فتشتغل بالتشمر للعرض على الجبار ، وتفكر أوّلا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور ، فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رؤوس الموتى فيثورون دفعة
شرح
صانعا يصنع من النطفة القذرة مثل هذا الآدمي المصوّر العاقل المتكلم المتصرف ) في الأمور ( لاشتد نفور باطنه عن التصديق به ، ولذلك قال اللّه تعالى :أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فيه تسلية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر ، وفيه تقبيح بليغ لإنكاره حيث عجب منه وجعله إفراطا في الخصومة بيننا ، ومنافاة الجحود والقدرة على ما هو أهون مما عمله في بداية خلقه ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وامهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب ، وقيل : معنىفَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ *فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا مميز منطبق قادر على الخصام معرب عما في نفسه . ( وقال تعالى : )أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ[ المرسلات : 20 - 24 ] أي بقدرتنا أو على الإعادة . وقال تعالى :( أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً )أي مهملا لا يكلف ولا يجازى . ( ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى ) أي قدره فعدله ، ( ففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته ، فكيف ينكر ذلك من قدرة اللّه تعالى وحكمته من يشاهد ذلك في صنعه وقدرته ، فإن كان في إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر في النشأة الأولى ، فإن الثانية مثلها وأسهل منها ) كما مر في الحديث المتقدم ، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته ، ( وإن كنت قوي الإيمان بها فاشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار ، وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عن قلبك الراحة والقرار ، فتشتغل بالتشمر ) والتهيؤ ( للعرض على الجبار ) جل جلاله ، ( وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رؤوس الموتى