إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 263
بيان أقاويلهم عند موت الولد : حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله - في تقدمه عليه في الموت - منزلة ما لو كانا في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه ، فإنه لا يعظم عليه تأسفه لعلمه أنه لاحق به على القرب ، وليس بينهما إلا تقدم وتأخر وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن يلحق المتأخر وإذا اعتقد هذا قل جزعه لا سيما وقد ورد في موت الولد من الثواب ما يعزى به كل مصاب ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن أقدم سقطا أحب إلي من أن أخلف مائة فارس كلهم يقاتل في سبيل اللّه » وإنما ذكر وروى صاحب كتاب المتفجعين من طريق قتادة قال : كان العلاء بن زياد يقول : لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة اللّه عز وجل ، ومن طريق الأصمعي قال : كان حماد بن سلمة إذا نعي إليه أحد من إخوانه صلّى ركعتين وترحم على الميت وقال : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر الحمد للّه الذي أعطانيهن بعده . بيان أقاويلهم عند موت الولد : أعم من أن يكون ذكرا أو أنثى . اعلم أنه ( حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله - في تقدمه عليه في الموت - منزلة ما لو كان في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه فإنه لا يعظم عليه تأسفه ) ولا يشتد به حزنه ( لعلمه بأنه لاحق به على القرب وليس بينهما إلا تقدم وتأخر ) فتقدم هذا وتأخر هذا ( وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن يلحق المتأخر ) وهذا معنى قول داود الطائي لمن طلب منه النصيحة عسكر الموتى ينتظرونك ، ( وإذا اعتقد هذا قلّ جزعه و ) سكن ( حزنه ) قال صاحب كتاب المتفجعين : حدثنا عبد اللّه بن الهيثم ، حدثنا سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء قال : أتى الحسن رجلا يعزيه عن أبنه فرأى الجزع قد بلغ منه فقال : كان ابنك يغيب عنك ؟ قال : فهبها غيبة غابها عنك فكأنك عليه قدمت ، ( لا سيما وقد ورد في موت الولد من الثواب ما يعزّى به كل مصاب . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن أقدم سقطا أحب إليّ من أن أخلف مائة فارس كلهم يقاتل في سبيل اللّه » ) أي بعد موتي وذلك لأن الوالد إذا مات ولده قبله يكون أجر مصابه بفقده في ميزان الأب ، وإذا مات الوالد قبله يكون أجر المصيبة في ميزان الابن ، وهذه تسلية عظيمة في موت الأولاد ، وفيه رد على العز بن عبد السلام في ذهابه إلى أنه لا أجر في المصيبة لأنها ليست من كسب العبد بل في الصبر عليها . قال العراقي : لم أجد فيه ذكر مائة فارس . وروى ابن ماجة من حديث أبي هريرة : « لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي » انتهى . قلت : بل روي ذلك من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميدي مرسلا بلفظ : « لأن أقدم