فهذه أبيات كتبت على قبور لتقصير سكانها عن الاعتبار قبل الموت . والبصير هو الذي ينظر إلى قبر غيره فيرى مكانه بين أظهرهم فيستعد للحوق بهم ويعلم أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يلحق بهم ، وليتحقق أنه لو عرض عليهم يوم من أيام عمره الذي هو مضيع له لكان ذلك أحب إليهم من الدنيا بحذافيرها ، لأنهم عرفوا قدر الأعمال وانكشفت لهم حقائق الأمور ، فإنما حسرتهم على يوم من العمر ليتدارك المقصر
شرح
منامه ، فقال : أي أخي ما الذي سمعت من قبرك ؟ قال : تلك هدة المقمعة قيل لي رأيت مظلوما فلم تنصره فأصبح فدعا أخاه وخاصته فقال : إني أشهدكم أني لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا فترك الإمارة ولزم العبادة ، وكان مأواه البراري والجبال وبطون الأودية فحضرته الوفاة فحضره أخوه فقال : يا أخي ألا توصي ؟ قال : ما لي مال ولا علي دين ، ولكن أعهد إليك يا أخي إذا أنا مت فاجعل قبري إلى جنب قبر أخي واكتب عليه : وكيف يلذ العيش البيتين ثم تعاهد قبري ثلاثا ، فلما مات فعل أخوه ذلك ، فلما كان في اليوم الثالث من إتيانه القبر أراد أن ينصرف فسمع وجبة من القبر كادت تذهل عقله فرجع مرهوبا ، فلما كان الليل رأى أخاه في منامه فقال : كيف أنت ؟ قال : بكل خير وما أجمع التوبة لكل خير . قال : فكيف أخي ؟ قال : مع الأئمة الأبرار . قال : فما أمرنا قبلكم ؟
قال : من قدم شيئا وجده فاغتنم وجدك قبل فقدك فأصبح الأخ الثالث معتزلا للدنيا وفرق ماله وأقبل على طاعة اللّه وأنشأ ابن له في المكاسب حتى أتت إياه الوفاة فقال : يا أبت ألا توصي ؟
فقال : يا بني مالي مال فأوصي فيه ، ولكن أعهد إليك إذا أنا مت أن تدفنني مع عميك وأن تكتب على قبري ، وكيف يلذ العيش البيتين ثم تعاهد قبري ثلاثا ففعل الفتى ذلك ، فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتا هاله فانصرف مهموما ، فلما كان الليل رأى أباه في منامه فقال : يا بني أنت عندنا عن قليل والأمر جدّ فاستعد وتأهب لرحيلك وطول سفرك وحوّل جهازك من المنزل الذي أنت عنه ظاعن إلى المنزل الذي أنت له قاطن ، ولا تغتر بما اغتر به الباطلون من طول آمالهم فقصروا في أمر معادهم فندموا عند الموت وأسفوا على تضييع العمر ، فلا الندامة عند الموت تنفعهم ولا الأسف على التقصير أنقذهم . أي بني فبادر ثم بادر ثم بادر . قال الشيخ : فدخلت على الفتى صبيحة رؤياه فقصها عليّ وقال : ما أرى الأمر الذي قال أبي إلا وقد أظلني ، ولا أحسب بقي من أجلي إلا ثلاثة أشهر أو ثلاثة أيام لأنه أنذرني بالمبادرة ثلاثا ، فلما كان آخر اليوم الثالث دعا أهله وولده فودعهم ثم أستقبل وتشهد ثم مات من الليل .
( فهذه أبيات كتبت على قبور لتقصير سكانها عن الاعتبار قبل الموت ) لأجل أن يعتبر بها قارئها ويترحم على الأموات ، ( والبصير هو الذي ينظر إلى قبر غيره فيرى مكانه بين أظهرهم فيستعد للحوق بهم ، ويعلم أنهم لا يبرحون عن مكانهم ما لم يلحق بهم ) ، ولذلك قال داود الطائي لما سأله رجل النصيحة ، إن عسكر الموتى ينتظرونك كما في الحلية . ( وليتحقق أنه لو عرض عليهم يوم من أيام عمره الذي هو مضيع له لكان ذلك أحب إليهم من الدنيا بحذافيرها ) أي بأجمعها ( لأنهم عرفوا قدر الأعمال وانكشفت لهم حقائق الأمور ) التي