تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
به تقصيره فيتخلص من العقاب ، وليستزيد الوقت به رتبته فيتضاعف له الثواب ، فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه فحسرتهم على ساعة من الحياة وأنت قادر على تلك الساعة ، ولعلك تقدر على أمثالها ثم أنت مضيع لها ، فوطن نفسك على التحسر على تضييعها عند خروج الأمر من الاختيار إذ لم تأخذ نصيبك من ساعتك على سبيل الابتدار . فقد قال بعض الصالحين رأيت أخا لي في اللّه - فيما يرى النائم - فقلت : يا فلان عشت الحمد للّه رب العالمين ، قال : لأن أقدر على أن أقولها - يعني الحمد للّه رب العالمين - أحب إلي من الدنيا وما فيها ، ثم قال : ألم تر حيث كانوا يدفنونني فإن فلانا قد قام فصلّى ركعتين لأن أن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها .
شرح
كانت غائبة عنهم ( فإنما حسرتهم يوم من العمر ليتدارك المقصر به تقصيره فيتخلص من العقاب ويستزيد الموفق به رتبته فيتضاعف له الثواب ، فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه فحسرتهم على ساعة من الحياة وأنت قادر على تلك الساعة ، ولعلك تقدر على أمثالها ثم أنت مضيع لها فوطن نفسك على التحسر على تضييعها عند خروج الأمر من الاختيار ، إذ لم تأخذ نصيبك من ساعتك على سبيل الابتدار فقد قال بعض الصالحين : رأيت أخا في اللّه فيما يرى النائم فقلت : يا فلان عشت الحمد للّه رب العالمين . قال : لأن أقدر على أن أقولها - يعني الحمد للّه رب العالمين - أحب إلي من الدنيا وما فيها ، ثم قال : ألم تر حيث كانوا يدفنوني فإن فلانا قد قام فصلّى ركعتين ، لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها ) . وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس أنه كان يمر على المقابر بدمشق يهجر يوم الجمعة فسمع قائلا يقول : هذا يونس بن حلبس قد هجر تحجون وتعتمرون كل شهر وتصلون كل يوم خمس صلوات أنتم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل . قال : فالتفت يونس فسلم فلم يردوا عليه . قال : سبحان اللّه أسمع كلامكم وأسلم عليكم فلا تردون . قالوا : لقد سمعنا كلامك ولكنها حسنة وقد حيل بيننا وبين الحسنات والسيئات . قلت : هو يونس بن ميسرة بن حلبس تابعي ثقة وقد نسب إلى جده ، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة . وروى ابن عساكر من طريق الأوزاعي قال : مر يونس بن حلبس بمقابر باب توما وقائد يقوده وكان مكفوفا فقال : السلام عليكم أهل القبور أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع فرحمنا اللّه وإياكم وغفر لنا ولكم ، فكأنا قد صرنا إلى ما صرتم إليه فرد اللّه الروح في رجل منهم فأجابه فقال : طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجون في الشهر أربع مرات فقال : وإلى أين يرحمك اللّه ؟ قال : إلى الجمعة أفما تعلمون أنها حجة مبرورة متقبلة . قال : ما خير ما قدمتم ؟ قال : الاستغفار وقد غلقت رهوننا فلا في حسنة نزيد ولا من سيئة تنقص .