شرح
الموت فقلت له : ألك حاجة أو في نفسك شهوة ؟ فرفع رأسه إلي وقد انكسر لسانه فقال : أي واللّه أشتهي شهوة كبيرة . قلت : وما هي ؟ قال : أشتهي أرى اللّه تعالى ثم تنفس عاليا كالواجد بحاله وفارق الدنيا .
قال : وقال الجنيد : دخلت على السري وهو في النزع فجلست عند رأسه ووضعت خدي على خده فدمعت عيناي فوقع دمعي على خده وقال لي : من أنت ؟ قلت : خادمك الجنيد ، فقال :
مرحبا . فقلت : أوصيني بوصية أنتفع بها . قال : إياك ومصاحبة الأشرار وأن تنقطع عن اللّه بصحبة الأغيار ، ولما حضرته الوفاة قلت له : يا سيدي لا يرون بعدك مثلك . قال : ولا أخلف عليهم بعدي مثلك .
قال : وقيل لحبيب العجمي في مرض الموت : ما هذا الجزع الذي ما كنا نعرفه منك ؟ فقال :
سفري بعيد بلا زاد وينزل بي في حفرة من الأرض موحشة بلا مؤنس ، وأقدم على ملك جبار وقد قدم إلي العذر . ويروى أنه جزع جزعا شديدا عند الموت فجعل يقول : أريد سفرا ما سافرته قط . أريد أن أسلك طريقا ما سلكته قط . أريد أن أزور سيدي ومولاي ما رأيته قط . أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قط . أريد أن أدخل تحت التراب وأبقى إلى يوم القيامة ثم أقف بين يدي اللّه تعالى فأخاف أن يقول لي : يا حبيب هات تسبيحة واحدة سبّحتني في ستين سنة لم يظفر الشيطان فيها بشيء ، فما ذا أقول وليس لي حيلة ؟ أقول يا رب هو ذا قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي . قال الراوي : فهذا رجل عبد اللّه ستين سنة مشتغلا به ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط فكيف حالنا ؟
وقال ابن الجوزي في كتاب الثبات ، أخبرنا عمر بن ظفر ، أخبرنا جعفر بن أحمد ، حدثنا عبد العزيز بن علي ، أخبرنا أبو الحسن بن جهضم ، أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى ، حدثني يوسف بن الحسين قال : قال فتح بن شخرف : دخلت على ذي النون المصري عند موته فقلت : كيف تجدك ؟
فقال :أموت وما ماتت إليك صبابتي * ولا رويت من صدق حبك أوطاري
مناي المنى كل المنى أنت لي منى * وأنت الغنى كل الغنى عند إقتاري
وأنت مدى سؤلي وغاية رغبتي * وموضع آمالي ومكنوف إضماري
وبين ضلوعي منك ما لا أبثه * ولم أبد بادية لأهل ولا جار
سرائر لا تخفى عليك خفيها * وإن لم أبح حتى التنادي بأسراري
فهب لي نسيما منك أحيا بروحه * وجد لي بيسر منك يطرد إعساري
أنرت الهدى للمهتدين ولم يكن * من العلم في أيديهم عشر معشار
فأبصارهم محجوبة وقلوبهم * تراك بأوهام حديدات أبصار
ألست دليل الركب إن هم تحيروا * وعصمة من أمسى على جرف هار ؟