غافلون عنه . ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط فإنه مجال لا آخر له ، ولو استقصينا أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضل اللّه تعالى علينا بمعرفته ، وكل ما عرفناه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه جملة العلماء والأولياء ، وما عرفوه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وجملة ما عرفوه قليل بالإضافة إلى ما عرفه محمد نبينا صلّى اللّه عليه وسلم . وما عرفه الأنبياء كلهم قليل بالإضافة إلى ما عرفته الملائكة المقربون كإسرافيل وجبريل وغيرهما ثم جميع علوم الملائكة والجن والإنس إذا أضيف إلى علم اللّه سبحانه وتعالى لم يستحق أن يسمى علما ، بل هو إلى أن يسمى دهشا وحيرة وقصورا وعجزا أقرب . فسبحان من عرّف عباده ما عرف ثم خاطب جميعهم فقال :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 85 ] .
شرح
من نور بأيديهم حراب من نور يسبحون حول ذلك البحر : سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان ذي العزة والجبروت ، سبحان الحي الذي لا يموت . سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، فمن قالها في يوم أو شهر أو سنة مرة أو عمره غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر أو مثل رمل عالج أو فرّ من الزحف » .
( ولنقبض عنان الكلام على هذا النمط فإنه مجال ) واسع ( لا آخر له ، ولو استقصينا أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضل اللّه علينا بمعرفته ، وكل ما عرفناه ) فهو ( قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه جملة العلماء والأولياء ) والصالحين ، ( وما عرفوه ) فهو ( قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه الأنبياء ) عليهم السلام ، ( وجملة ما عرفوه ) فهو ( قليل بالإضافة إلى ما عرفه محمد نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، وما عرفه الأنبياء كلهم فهو قليل بالإضافة إلى ما عرفته الملائكة المقربون ) في حضرة القدس ، ( كاسرافيل وجبريل وغيرهما ) عليهم السلام ، وهذا يشعر بتفضيل الملائكة على الأنبياء وهو مذهب المصنف ، ولأئمة السنة فيه خلاف مبسوط في محله . ( ثم جميع علوم الملائكة والجن والإنس إذا أضيف إلى علم اللّه سبحانه لم يستحق أن يسمى علما ، بل هو إلى أن يسمى دهشا وحيرة وقصورا وعجزا أقرب ) إذ لا يعرف أحد حقيقة علم اللّه تعالى إلا من له مثل علمه ، وليس ذلك إلا له تعالى فلا يعرفه سواه تعالى وتقدس ، وإنما يعرف غيره بالتشبيه بعلم نفسه وعلم اللّه تعالى لا يشبهه علم الخلق البتة ، فلا تكون معرفته به معرفة تامة حقيقة أصلا ، بل إيهامية تشبيهية ، فنهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة هي أنهم لا يعرفونه وأنهم لا يمكنهم معرفته البتة ، وأنه يستحيل أن يعرف المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى . ( فسبحان من عرف عباده ما عرف ثم خاطب جميعهم فقال :وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) فإذا لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة .