تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
فهذا بيان معاقد الجمل التي تجول فيها فكر المتفكرين في خلق اللّه تعالى وليس فيها فكر في ذات اللّه تعالى ، ولكن يستفاد من الفكر في الخلق لا محالة معرفة الخالق وعظمته وجلاله وقدرته ، وكلما استكثرت من معرفة عجيب صنع اللّه تعالى كانت معرفتك بجلاله وعظمته أتمّ ، وهذا كما أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه ، فلا تزال تطلع على غريبة غريبة من تصنيفه أو شعره فتزداد به معرفة وتزداد بحسنه له توقيرا وتعظيما واحتراما ، حتى أن كل كلمة من كلماته وكل بيت عجبب من أبيات شعره يزيده محلا من قلبك يستدعي التعظيم له في نفسك . فهكذا تأمل في خلق اللّه تعالى وتصنيفه وتأليفه ، وكل ما في الوجود من خلق اللّه وتصنيفه والنظر والفكر فيه لا يتناهى أبدا ، وإنما لكل
شرح
( فهذا بيان معاقد الجمل التي يجول فيها فكر المتفكرين في خلق اللّه تعالى وليس فيها فكر في ذات اللّه تعالى ) . وقال صاحب القاموس في البصائر نقلا عن المشايخ : الفكرة فكرتان فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة ، وفكرة تتعلق بالطلب والإرادة ، فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة فكرة الضمير بين الحق والباطل والثابت والمنفي ، والفكرة التي تتعلق بالطلب والإرادة هي الفكرة التي تميز بين النافع والضار ، ثم تترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها وطريق ما يضر فيتركها ، ولهم فكرة في عين التوحيد وفكرة في لطائف الصفة وفكرة في معاني الأعمال والأحوال ؛ فهذه ستة أقسام لا سابع لها هي مجال أفكار العقلاء فالفكرة في التوحيد استحضار أدلته وشواهده الدالة على بطلان الشرك واستحالته ، وأن الإلهية يستحيل ثبوتها لاثنين ، كما يستحيل ثبوت الربوبية لاثنين ، فكذلك أبطل الباطل عبادة اثنين والتوكل على اثنين ، بل لا تصلح العبادة إلا للإله الحق والرب الحق وهو اللّه الواحد القهار ا ه . ( ولكن يستفاد من الفكر في الخلق لا محالة معرفة الخالق وعظمته وجلاله وقدرته ) أشار به إلى أن اتساع المعرفة إنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته ، وفيها تتفاوت درجات الملائكة والأنبياء والأولياء في معرفته ، وهذا أيضا لا يعرفه بالكمال في الحقيقة إلا اللّه تعالى ، ( و ) لكن ( كلما استكثرت من معرفة عجيب صنع اللّه كانت معرفتك بجلاله وعظمته أتم ) أي كلما ازداد العبد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنائع في ملكوت الأرض والسماوات كان حظه من معرفة صفة القدرة أوفر وأتم ، لأن الثمرة تدل على المثمر ، وهذا ( كما أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه فلا تزال تطلع على غريبة غريبة من تصنيفه أو شعره ) وتزداد إحاطة بتفاصيل علومه فيها ، ( فتزداد به معرفة وتزداد بحسنه له توقيرا وتعظيما واحتراما ، حتى أن كل كلمة من كلماته وكل بيت عجيب من أبيات شعره يزيده محلا في قلبك ويستدعي التعظيم له في نفسك ، فهكذا تأمل في خلق اللّه وتصنيفه وتأليفه وكل ما في الوجود من خلق اللّه وتصنيفه والنظر والفكر فيه لا يتناهى أبدا ، وإنما لكل عبد منهما