عبد منهما بقدر ما رزق ، فلنقتصر على ما ذكرناه ولنضف إلى هذا ما فصلناه في كتاب الشكر ، فإنا نظرنا في ذلك الكتاب في فعل اللّه تعالى من حيث هو إحسان إلينا وإنعام علينا ، وفي هذا الكتاب نظرنا فيه من حيث أنه فعل اللّه فقط ، وكل ما نظرنا فيه فإن الطبيعي ينظر فيه ويكون نظره سبب ضلاله وشقاوته ، والموفق ينظر فيه فيكون سبب هدايته وسعادته . وما من ذرّة في السماء والأرض إلا واللّه سبحانه وتعالى يضل بها من يشاء ويهدي بها من يشاء ، فمن نظر في هذه الأمور من حيث إنها فعل اللّه تعالى وصنعه استفاد منه المعرفة بجلال اللّه تعالى وعظمته واهتدى به ، ومن نظر فيها قاصرا للنظر عليها من حيث تأثير بعضها في بعض لا من حيث ارتباطها بمسبب الأسباب فقد شقي
شرح
بقدر ما رزق ) وإلى هذا يرجع تفاوت معرفة العارفين ويتطرق إليه تفاوتا لا يتناهى ، ومن هنا تعرف أن من قال : لا أعرف إلا اللّه فقد صدق ، ومن قال لا أعرف اللّه فقد صدق فإنه ليس في الوجود إلا اللّه تعالى وأفعاله ، فإذا نظر إلى أفعاله من حيث هي أفعاله وكان مقصور النظر عليها ولم يرها من حيث أنها سماء وأرض وشجر بل من حيث أنها صنعه فلم تجاوز معرفته حضرة الربوبية ، فيمكنه أن يقول ما أعرف إلا اللّه وما أرى إلا اللّه ، ولو تصوّر شخص لا يرى إلا الشمس ونورها المنتشر في الآفاق يصح أن يقول ما أرى إلا الشمس فإن النور الفائض منها هو من جملتها ليس خارجا عنها ، وكل ما في الوجود نور من أنوار القدرة الأزلية وأثر من آثارها ، وكما أن الشمس ينبوع النور الفائض على كل مستنير ، فكذلك المعنى الذي قصرت العبارة عنه فعبّر عنه بالقدرة الأزلية للضرورة هو ينبوع الوجود الفائض على كل موجود ، فليس في الوجود إلا اللّه تعالى ، فيجوز أن يقول العارف : لا أعرف إلا اللّه تعالى : ومن العجائب أن يقول : لا أعرف إلا اللّه تعالى ويكون صادقا ، ويقول لا أعرف اللّه ويكون أيضا صادقا ، ولكن ذلك بوجه وهذا بوجه ولا تناقض فيه لاختلاف وجوه الاعتبارات .
( فلنقتصر على ما ذكرناه ، ولنضف إلى هذا ما فصلناه في كتاب الشكر ، فإذا نظرنا في ذلك الكتاب في فضل اللّه تعالى من حيث هو إحسان وإنعام علينا ، وفي هذا الكتاب نظرنا فيه من حيث أنه فعل اللّه ) وصنعه ( فقط وكل ما نظرنا فيه فإن الطبيعي ) الذي يذهب إلى تأثير الطبائع في الأشياء ( ينظر فيه ويكون نظره سبب ضلاله وشقاوته ) لقصوره على تأثير الطبائع عن بارئها جل وعز ، ( والموفق ) العارف ( ينظر فيه فيكون سبب هدايته وسعادته ) لأنه لا ينظر في الوجود إلا للّه وصنعه ، ( وما من ذرة في السماء والأرض إلا واللّه سبحانه وتعالى يضل بها من يشاء ويهدي بها من يشاء ، فمن نظر في هذه الأمور من حيث أنها فعل اللّه وصنعه استفاد منه المعرفة بجلال اللّه وعظمته ) واهتدى وكان مقامه فيها أتم ، ( ومن نظر فيها قاصرا للنظر عليها من حيث تأثير بعضها في بعض لا من حيث ارتباطها بمسبب