تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
رحمته محتاجة وقد ضاقت بك السبل وانسدت عليك الطرق وانقطعت منك الحيل ولم تنجع فيك العظات ولم يكسرك التوبيخ . فالمطلوب منه كريم والمسؤول جواد والمستغاث به برّ رؤوف والرحمة واسعة والكرم فائض والعفو شامل وقولي يا أرحم الراحمين يا رحمن يا رحيم يا حليم يا عظيم يا كريم أنا المذنب المصر أنا الجريء الذي لا أقلع أنا المتمادي الذي لا أستحيي هذا مقام المتضرع المسكين والبائس الفقير والضعيف الحقير والهالك الغريق فعجل إغاثتي وفرجي وأرني آثار رحمتك وأذقني برد عفوك ومغفرتك وأرزقني قوة عصمتك يا أرحم الراحمين . اقتداء بأبيك آدم عليه السلام ؛ فقد قال وهب بن منبه لما أهبط اللّه آدم من الجنة إلى الأرض مكث لا ترقأ له دمعة فاطلع اللّه عز وجل عليه في اليوم السابع وهو محزون كئيب كظيم منكس رأسه فأوحى اللّه تعالى إليه : يا آدم ما هذا الجهد الذي أرى بك ؟ قال : يا رب عظمت مصيبتي وأحاطت بي خطيئتي وأخرجت من
شرح
قال اللّه تعالى :أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ[ النمل : 62 ] ( وقد أصبحت اليوم مضطرة إلى رحمته محتاجة ، وقد ضاقت بك السبل وانسدت عليك الطرق وانقطعت منك الحيل ولم تنجع فيك العظات ولم يكسرك التوبيخ ) . والحاصل أن العبد إذا حاسب نفسه فرآها خانت وضيعت لزمه أمور أحدها : أن يتدارك بالتوبة والجبر ، فإن لم يستطع لغلبة الشهوة عالج تلك الشهوة بالدواء المعروف لها فإن لم تنكسر تلك الشهوة بالعلاج عاتبها ووبخها وقرر عندها جهلها وحماقتها ، وأن تماديها وإصرارها يؤدي إلى هلاكها ، فإن ارتدعت بذلك وإلا فالدعاء والاعتراف والالتجاء إلى اللّه تعالى . ( فالمطلوب منه كريم والمسؤول جواد والمستغاث به بر رؤوف والرحمة واسعة ) والفضل جزيل ( والكرم فائض والعفو شامل . وقولي يا أرحم الراحمين يا رحمن يا رحيم يا حليم يا عظيم يا كريم أنا المذنب المصر ) على ذنبي ، ( أنا الجريء ) على معصيتك ( الذي لا أقلع ) عنها ، ( أنا المتمادي الذي لا يستحيي ، هذا مقام المتضرع المسكين والبائس الفقير والضعيف الحقير والهالك الغريق ) في بحر العصيان ( فعجل إغاثتي ) وأرحم مسكنتي وفاقتي ( و ) عجل ( فرجي ) وفرحي ( وأرني آثار رحمتك وأذقني برد عفوك ومغفرتك وأرزقني قوة عصمتك يا أرحم الراحمين ) كل ذلك مع مراعاة الآداب التي ذكرت في كتاب الأدعية ( اقتداء بأبيك آدم عليه السلام ) إذ قال :رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَوهي الكلمات التي تلقاها في قول الأكثرين ، ( فقد قال وهب بن منبه ) رحمه اللّه تعالى : ( لما أهبط اللّه آدم إلى الأرض من الجنة مكث لا ترقأ له دمعة ) أي لا تسكن عن الجريان ، ( فأطلع اللّه عز وجل عليه في اليوم السابع ) من هبوطه ( وهو محزون كئيب كظيم ) ملآن من الحزن ( نكس رأسه ) حياء من ربه ، ( فأوحى اللّه إليه : يا آدم ما هذا الجهد الذي أدى بك ؟ قال : يا رب عظمت مصيبتي وأحاطت بي