هو السبب في قصور الأفهام .
وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا اللّه تعالى ولا يعرف غيره ؛ يعلم أنه ليس في الوجود إلا اللّه . وأفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه ، وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها . ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال ألا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث أنه سماء وأرض وحيوان وشجر ، بل ينظر فيه من حيث أنه صنع الواحد الحق فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره ، كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ورأى فيه الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث أثره لا من حيث إنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض ، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف وكل العالم تصنيف اللّه
شرح
ظهوره يخفى ، وقد يكون شدة الظهور سبب الخفاء ، والشيء إذا جاوز حدّه انعكس على ضده ، فإذا عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء للبصر بالنور الظاهر فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة باللّه فهو مع كل شيء وبه يظهر ، ولكن بقي هنا تفاوت وهو أن النور الظاهر يتصور أن يغيب بغروب الشمس ويحجب حتى يظهر الظل ، وأما النور الإلهي الذي يظهر كل شيء لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره فيبقى مع الأشياء دائما ، فاقطع طريق الإستدلال بالتفرقة ، ولو تصورت غيبته بل يستحيل تغيره فيبقى مع الأشياء دائما ، فاقطع طريق الإستدلال بالتفرقة ، ولو تصورت غيبته لأنهدت السماوات والأرض ولأدرك به من التفرقة ما يضطر معه إلى المعرفة بما به ظهرت الأشياء ، ولكن ما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة لوحدانية خالقها إذ كل شيء يسبح بحمده لا بعض الأشياء في جميع الأوقات لا بعض الأوقات ارتفعت المعرفة وخفي الطريق ، إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا نقيض تتشابه الأحوال في الشهادة له ، فلا يبعد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة جلائه والغفلة عنه لإشراف نوره ، فسبحان من اختفى عن الخلق بشدة ظهوره واحتجب عنهم لإشراق نوره انته .
( فهذا هو السبب في قصور الأفهام : وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته ) بضم الميم أي قوته وغلبت روحانيته على جثمانيته ، ( فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا اللّه تعالى ) مع الأشياء أو قبلها ، والثاني أعلى من الأول ، ( ولا يعرف غيره ويعلم أنه ليس في الوجود إلا اللّه وأفعاله أثر من آثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه ، وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها ، ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث أنه بسماء وأرض وحيوان وشجر ، بل ينظر فيه من حيث أنه صنع الواحد الحق فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره ) وهذا مقام الصديقين ، وذلك ( كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ورأى فيه الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث أنه حبر وعفص وزاج ) اللذين بهما تركيب الحبر ( مرقوم على بياض ، فلا يكون قد نظر إلى