إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 95
بيان حد الشكر وحقيقته : اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين وهو أيضا ينتظم من علم وحال وعمل ، فالعلم هو الأصل فيورث الحال والحال يورث العمل فأما العلم فهو معرفة النعمة من المنعم ، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه ، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه . ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان ولا بد من بيان جميع ذلك قلت : رواه أحمد ، والترمذي وحسنه ، وابن ماجة ، وأبو نعيم في الحلية من حديث ثوبان « ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعين على أمر الآخرة » . وقد تقدم في كتاب النكاح . ( وقال ابن مسعود ) رضي اللّه عنه : ( الشكر نصف الإيمان ) . وقد روي من حديث أنس مرفوعا « الإيمان نصفان : نصف في الصبر ونصف في الشكر » رواه الديلمي ، والبيهقي وقد تقدم قريبا . ومن الأخبار الواردة في الشكر أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال لمعاذ « إني أحبك فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » . وفي الترمذي من بعض دعائه المشهور : « رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك محبابا إليك أوّاها منيبا ، وفي حديث عمر : الحمد على النعمة أمان لزوالها . وفي حديث ابن عمر : والحمد رأس الشكر ما شكر اللّه عبد لا يحمده . بيان حدّ الشكر وحقيقته : ( اعلم ) أنهم قد اختلفوا في الفرق بين الحمد والشكر أيهما أفضل . وفي الحديث المتقدم : الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد اللّه لم يشكره ، والفرق بينهما أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته ، والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب ، ومعنى هذا أن الشكر يكون بالقلب خضوعا واستكانة ، وباللسان ثناء واعترافا ، وبالجوارح طاعة وانقيادا ، ومتعلقه النعم دون الأوصاف الذاتية فلا يقال : شكرنا اللّه على حياته وسمعه وبصره وعلمه وهو المحمود بها كما هو محمود على إحسانه وعدله والشكر يكون على الإحسان والنعم ، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس ، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد باللسان ، فإذا عرفت ذلك فاعلم ( أن الشكر من جملة مقامات السالكين ) وهو الثالث من مقامات اليقين ، ( وهو أيضا ) كما تقدم ( ينتظم من علم وحال وعمل ، فالعلم هو الأصل فيورث الحال والحال يورث العمل ) وبه يتضح الفرق بين المقامات والأحوال ، وقد تقدم الكلام عليه في شرح كتاب التوبة . ( أما العلم ؛ فهو معرفة النعمة من المنعم ، وأما الحال فهو الفرح الحاصل بانعامه ، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه . ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان ولا بدّ من بيان ذلك ليحصل