تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
الصحيحة جزءا واحدا من جملتها ولكن تعيين طريق واحد من طرق التقسيمات الممكنة لا يمكن إلا بظن وتخمين فلا ندري تحقيقا أنه الذي أراده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أم لا . وإنما المعلوم مجامع الصفات التي بها تتم النبوّة وأصل انقسامها ، وذلك لا يرشدنا إلى معرفة علة التقدير ، فكذلك نعلم أن الفقراء لهم درجات كما سبق ، فأما لم كان هذا الفقير الحريص مثلا على نصف سدس درجة الفقير الزاهد حتى لم يبق له التقدم بأكثر من أربعين سنة إلى الجنة واقتضى ذلك التقدم بخمسمائة عام فليس في قوة البشر غير الأنبياء الوقوف على ذلك إلا بنوع من التخمين ولا وثوق به ، والغرض التنبيه على منهاج التقدير في أمثال هذه الأمور ، فإن الضعيف الإيمان قد يظن أن ذلك يجري من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على سبيل الاتفاق ، وحاشا منصب النبوّة عن ذلك .
شرح
تقع الرؤيا الصحيحة ) وفي نسخة الصادقة ( واحدة من جملتها ) بل وأكثر من الستة والأربعين ، وذلك لأن المراد من هذا الحديث أن المنام الصادق خصلة من خصال النبوة كما في الحديث الآخر « التؤدة والاقتصاد وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءا من النبوّة » أي النبوّة مجموع خصال مبلغ أجزائها ستة وعشرين هذه الثلاثة الأشياء جزء واحد منها ، وعلى مقتضى هذه التجزئة كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أجزاء في نفسه ، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صحّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون ، ويصح أن يسمى كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءا خصلة ، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين جزءا ، ويصح أن يسمى كل أربعة منها جزءا ، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءا ونصف جزء فتختلف أسماء العدد المجزأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء ، وعلى هذا فلا يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطرابا ، وإنما هو اختلاف مقادير تلك الأجزاء المذكورة ، ( ولكن تعيين طريق واحد من طرق التقسيمات الممكنة لا يكون إلا بظن وتخمين ولا ندري تحقيقا أنه الذي أراده صلّى اللّه عليه وسلم أم لا ، وإنما المعلوم ) في الجملة ( مجامع الصفات التي بها تتم النبوة وأصل انقسامها ، وذلك لا يرشدنا إلى معرفة علة التقدير ، فكذلك نعلم أن الفقراء لهم درجات كما سبق ) قريبا ، ( فأما لم كان هذا الفقير الحريص مثلا على نصف سدس درجة الفقير الزاهد حتى لم يقتض له التقدم بأكثر من أربعين سنة إلى الجنة واقتضى ذلك التقدم بخمسمائة عام ، فليس في قوة أحد غير الأنبياء ) عليهم السلام ( الوقوف على ذلك ) بحقيقته ( إلا بنوع من التخمين ولا وثوق به ، والغرض ) كله من سياق هذا الكلام ( التنبيه على منهاج التقدير في أمثال هذه الأمور ) الواردة في صحاح الأخبار ، ( فإن الضعيف الإيمان قد يظن أن ذلك يجري من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على سبيل الاتفاق وحاشا منصب النبوة من ذلك ) ، بل كلامه كله حكم وفوائد وتلويحات عرفها من عرف وجهلها من جهل .